نسمع همهمات من بعض الاقتصاديين الموالين للنظام عن طرح مشروع دمج الاقتصاد الشعبي او الموازي او الغير رسمي مع الاقتصاد الرسمي أو الحكومي !!
لكن السؤال هنا هل يستطيع النظام المصري الذي يعمل علي التخارج من مشروعاته القائمه بالفعل بالبيع تاره وبالتصفيه تارة اخري أن يدمج اقتصاد يقتات عليه أكثر من ٧٠ % من الشعب المصري مع اقتصاده المهترئ ؟
وهل دمج الاقتصاد الموازي بالاقتصاد الرسمي سيعود بالنفع علي المواطن المصري ام أن هذا الدمج سيكون الغرض منه فقط ضخ أموال جديده من جيب رجل الشارع الذي بالكاد يستطيع أن يحصل علي قوت يومه الي خزانه الدوله ؟
إن دمج الاقتصاد غير الرسمي هدف اقتصادي مشروع وضروري لكن نجاحه لا يتوقف على تسجيل الأنشطة وفرض الضرائب والرسوم، بل يرتبط بقدرة الدولة على تهيئة بيئة مناسبة تساعد هذه الأنشطة على الانضمام إلى الاقتصاد الرسمي دون الإضرار باستمرارها أو بمصادر رزق العاملين بها.
أولًا: ليس كل اقتصاد غير رسمي اقتصادًا غير مشروع
هناك فرق جوهري بين الحرفي أو البائع البسيط الذي يسعى إلى توفير لقمة العيش، ولا يستطيع تحمل تكاليف التسجيل والتراخيص، وبين المنشآت التي تتعمد إخفاء إيراداتها أو التهرب من الالتزامات القانونية.
ومن ثم، فإن التعامل مع جميع الأنشطة غير الرسمية باعتبارها كيانات مخالفة يستوجب العقاب يُعدّ خطأً في التشخيص، وقد يؤدي إلى نتائج عكسية.
ثانيًا: أبرز المخاطر المحتملة لدمج الاقتصاد الموازي مع الاقتصاد الرسمي ؟
1- زيادة الأعباء المالية على المشروعات الصغيرة
إن فرض الضرائب والتأمينات والرسوم وتكاليف التراخيص والمحاسبة بصورة مفاجئة قد يضع المشروعات متناهية الصغر والحرفيين والورش الصغيرة أمام أعباء تفوق قدرتهم على التحمل، بما قد يدفع بعضهم إلى تقليص نشاطه أو إغلاقه.
2 ارتفاع الأسعار وزيادة الضغوط التضخمية
قد تنتقل الزيادة في تكاليف التشغيل إلى المستهلك النهائي، فتزداد أسعار بعض السلع والخدمات، وتتراجع القوة الشرائية للمواطن، خاصة أصحاب الدخول المحدودة وأصحاب المعاشات.
3 فقدان فرص العمل
إذا عجزت بعض المشروعات عن تحمل الالتزامات الجديدة، فقد يؤدي إغلاقها إلى فقدان وظائف ومصادر دخل، بما يزيد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية على الأسر.
4 الإضرار بالمنافسة في الأسواق
قد تستطيع الشركات الكبرى استيعاب تكاليف التقنين والامتثال بسهولة أكبر من المشروعات الصغيرة، وهو ما قد يمنحها ميزة إضافية على حساب صغار المنتجين، ويؤدي إلى خروج بعضهم من السوق وتراجع المنافسة.
5 عدم تحقق الحصيلة الضريبية المتوقعة
ليس من الضروري أن يؤدي تسجيل جميع الأنشطة إلى زيادة الإيرادات العامة تلقائيًا؛ فارتفاع تكلفة الالتزام وتعقيد الإجراءات قد يدفع بعض الأنشطة إلى مزيد من التخفي بدلًا من الانضمام إلى المنظومة الرسمية.
6 انتقال تكلفة الإصلاح إلى المواطن
إذا تحولت عملية الدمج إلى زيادات متراكمة في تكاليف الإنتاج والتوزيع، فقد يتحمل المواطن جانبًا كبيرًا من هذه التكلفة من خلال ارتفاع الأسعار، دون أن يقابل ذلك تحسن مماثل في دخله أو مستوى الخدمات المقدمة إليه وهذا لب الموضوع .
ثالثًا: كيف ندمج الاقتصاد الموازي دون الإضرار بالاقتصاد الوطني؟
إن الحل لا يكمن في التراجع عن التقنين، وإنما في اختيار السياسات الصحيحة لتنفيذه، وذلك من خلال:
. تطبيق نظام ضريبي مبسط وعادل يتناسب مع حجم النشاط وقدرته على السداد.
. منح أصحاب المشروعات فترات انتقالية كافية لتوفيق أوضاعهم.
. تبسيط إجراءات التسجيل والترخيص وتقليل تكاليف الامتثال.
. ربط الانضمام إلى الاقتصاد الرسمي بمزايا حقيقية، مثل التمويل الميسر والتأمين الاجتماعي والتدريب والدعم الفني.
. حماية المشروعات الصغيرة من الممارسات الاحتكارية وضمان تكافؤ الفرص في الأسواق.
. توجيه الرقابة إلى حالات التهرب المتعمد والمخالفات الجسيمة، مع مراعاة طبيعة الأنشطة الصغيرة وأوضاعها.
. قياس أثر سياسات الدمج على الأسعار والتوظيف واستمرار المشروعات والإيرادات العامة، وتعديل السياسات متى ظهرت آثار سلبية غير مقصودة.
رابعًا: الرؤية الاقتصادية المطلوبة
إن الهدف الحقيقي من دمج الاقتصاد غير الرسمي يجب ألا يقتصر على زيادة الحصيلة الضريبية، بل ينبغي أن يمتد إلى توسيع القاعدة الإنتاجية، وخلق فرص عمل مستدامة، وتحقيق العدالة الضريبية، وتوفير الحماية الاجتماعية للعاملين، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على النمو.
فالدولة لا تستفيد من إغلاق ورشة منتجة، أو خروج حرفي من السوق، أو فقدان عامل لمصدر رزقه، لمجرد أن إجراءات التقنين لم تراعِ طبيعة نشاطه وقدراته المالية.
كما أن أصحاب الأنشطة لا ينبغي أن ينظروا إلى التسجيل باعتباره عبئًا ماليًا فقط، بل يجب أن يجدوا في الاقتصاد الرسمي حماية قانونية ومزايا عملية وفرصًا أفضل للنمو.
وهنا تقع مسؤولية الدولة في تحقيق التوازن بين حقها في تحصيل مستحقاتها، وحق المواطن في العمل والإنتاج، وحق المجتمع في الحصول على سلع وخدمات بأسعار عادلة.
الخلاصة
إن دمج الاقتصاد الموازي ضرورة اقتصادية وتنظيمية، لكنه ليس هدفًا يتحقق بمجرد فرض الضرائب أو إلزام المشروعات بالتسجيل.
فالدمج المتسرع قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وإغلاق بعض المشروعات، وفقدان فرص العمل، وإضعاف المنافسة. أما الدمج المدروس، القائم على التدرج والحوافز والعدالة الضريبية والحماية الاجتماعية، فيمكن أن يحول الاقتصاد غير الرسمي إلى قوة إنتاجية حقيقية تدعم الاقتصاد الوطني.
إن الإصلاح الاقتصادي الناجح هو الذي يوسّع دائرة الإنتاج لا دائرة الأعباء ويزيد فرص العمل لا أعداد المتعطلين؛ ويحقق حقوق الدولة دون أن يحمل المواطن ما يفوق قدرته على الاحتمال .
