يشكّل المسلمون في الهند ثاني أكبر تجمع إسلامي في العالم بعد إندونيسيا، إذ يتجاوز عددهم 200 مليون نسمة من إجمالي سكان البلاد الذين يزيد عددهم على مليار نسمة. وتأتي الديانة الإسلامية في المرتبة الثانية بعد الهندوسية، ضمن واحدة من أكثر دول العالم تنوعًا دينيًا وثقافيًا وعرقيًا.

ويكفل الدستور الهندي للمسلمين كامل حقوقهم المدنية والدينية، بما في ذلك حرية العبادة وإقامة الشعائر، لا سيما في المناطق ذات الكثافة الإسلامية. ومع ذلك، يشهد المشهد بين الحين والآخر اعتداءات متفرقة ينفذها متطرفون هندوس، في ظل تصاعد بعض النزعات القومية والدينية المتشددة.

اختلاف المطالع وتحديد بداية رمضان في الهند

نظرًا لاتساع الرقعة الجغرافية للهند وتوزّع المسلمين في ولايات ومناطق متباعدة، يختلف أحيانًا ثبوت دخول شهر رمضان من منطقة إلى أخرى. ويرجع ذلك إلى اختلاف المطالع الفلكية، إلى جانب تعدد المذاهب الفقهية بين المسلمين، بين من يعتبر اختلاف المطالع ومن لا يأخذ به.

وعادةً ما تتولى هيئة شرعية من العلماء المسلمين مهمة تحري هلال شهر رمضان، وتعتمد في قراراتها على الرؤية الشرعية. وما إن يثبت دخول الشهر، حتى يُصدر بيان رسمي يُعلن ويُعمم على المسلمين في مختلف الولايات.

أجواء روحانية وفرحة شعبية بقدوم الشهر الكريم

مع إعلان ثبوت هلال رمضان، تعم أجواء الفرحة أوساط المسلمين في الهند، خصوصًا الأطفال الذين يتبادلون عبارات التهنئة مثل «رمضان مبارك» وغيرها من العبارات المعبرة عن البهجة.

وتكتسب المساجد طابعًا احتفاليًا مميزًا، إذ تُضاء المآذن، وتُقام حلقات تحفيظ القرآن، وتمتلئ بيوت الله بالمصلين، وتتغير أنماط الحياة اليومية بما يتناسب مع أجواء الشهر الفضيل، في مشهد يعكس عمق الارتباط الروحي والاجتماعي برمضان.

السحور والمسحراتي.. طقس متوارث عبر الأجيال

يحرص غالبية المسلمين في الهند على الالتزام بسنة السحور، وتعتمد موائدهم على الأرز والخبز بوصفهما غذاءً رئيسًا، إلى جانب أصناف متعددة من الطعام و«الإدام».

ولا تزال شخصية المسحراتي حاضرة بقوة في الأحياء الإسلامية، حيث يجوب الشوارع قبيل الفجر لإيقاظ الناس للسحور، في تقليد اجتماعي متوارث. ومع نهاية الشهر، يُكافأ المسحراتي بالهدايا والعطايا تقديرًا لجهوده طوال أيام رمضان.

مائدة الإفطار الهندية.. نكهات خاصة وعادات فريدة

يفطر المسلمون في الهند عادةً مع غروب الشمس، على الماء في حال غياب التمر، بينما يفطر بعضهم على الملح الخالص استنادًا إلى ما ورد في بعض كتب الفقه الحنفي، وهي عادة تكاد تكون حصرية في الهند.

وتضم مائدة الإفطار مجموعة متنوعة من الأطباق، أبرزها:

الأرز ، و «دهى بهدى» (يشبه الفلافل مع الزبادي) ، و العدس المسلوق  ، و «الهريس» المصنوع من القمح واللحم والمرق ، ايضاً الفلفل الحار الذي يضاف إلى معظم الأطعمة

أما المشروبات، فتشمل:

عصير الليمون ، اللبن الممزوج بالماء ، و الحليب

وفي ولاية كيرلا جنوب الهند، تُحضّر بعض الأسر مشروبًا تقليديًا من الأرز والحلبة والكركم وجوز الهند، يُتناول بملاعق مصنوعة من قشور جوز الهند، ويُعتقد أنه يخفف مشقة الصيام ويمنح الجسم نشاطًا للعبادة ليلًا.

ومن العادات المخالفة للسنة في بعض المناطق تأخير أذان المغرب وتقديم أذان الفجر احتياطًا للصيام.

التراويح والاحتفالات الليلية في المساجد

بعد صلاة التراويح، توزَّع في بعض المناطق الحلوى والمرطبات وجوز الهند، وأحيانًا التمر وسكر النبات، إضافة إلى مشروب محلي يُعرف باسم «سمية»، يشبه الشعيرية باللبن في مصر.

وتُحضّر معظم الحلويات الرمضانية من الشعيرية، ويجتمع أهل الحي في المساجد لتناول الإفطار جماعيًا، حيث يحضر كل شخص ما تيسر له، في صورة تعكس التلاحم الاجتماعي وروح التكافل بين مختلف الأجيال.

الأطفال والفوانيس.. بهجة رمضانية في الأحياء الشعبية

يحرص الأطفال على اقتناء فوانيس رمضان، ويتجولون في الأحياء مرددين الأناشيد الدينية بلغاتهم ولهجاتهم المحلية، في أجواء تعبّر عن فرح جماعي بقدوم الشهر الكريم، وتعكس حضور رمضان في الوجدان الشعبي.

التراويح وختم القرآن الكريم

يحافظ المسلمون في الهند على ارتداء الطاقية وأداء الصلوات في المساجد، ويحرصون على قراءة القرآن، حيث يسعى كثير منهم إلى ختمه مرة واحدة على الأقل خلال الشهر.

وتُقام صلاة التراويح في أغلب المساجد 20 ركعة، فيما تكتفي بعض المساجد بـ8 ركعات، وتتخلل الصلاة دروس دينية وكلمات وعظية. وفي المساجد التي لا يتوفر فيها إمام حافظ، يُستقدم أئمة من مناطق أخرى لإتمام ختم القرآن.

ومن العادات المتبعة أثناء التراويح ترديد أذكار بعد كل أربع ركعات، مثل:

«سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة…»

إلى جانب الصلاة على النبي ﷺ وذكر آل بيته والخلفاء الراشدين.

الاعتكاف وليلة السابع والعشرين

يحرص المسلمون على سنة الاعتكاف خلال العشر الأواخر من رمضان، ويولون ليلة السابع والعشرين اهتمامًا خاصًا باعتبارها ليلة القدر. ويستعدون لها بالاغتسال وارتداء أفضل الثياب.

وفي هذه الليلة يُختم القرآن الكريم، وتُوزع الحلوى والسكر، ويقوم الإمام بالنفث عليها طلبًا للبركة، وهي عادة متوارثة، كما يُكرَّم الإمام بالهدايا والملابس الجديدة.

وفي صباح هذه الليلة، يتوجه كثير من المسلمين إلى المقابر لقراءة القرآن على موتاهم.

جمعة الوداع.. مشهد إيماني مهيب

تشهد الجمعة الأخيرة من رمضان، المعروفة باسم «جمعة الوداع»، تجمعًا حاشدًا في مسجد مكة بمدينة حيدر آباد، حيث تمتد صفوف المصلين لعدة كيلومترات، وتُغلق الشوارع المحيطة استعدادًا لهذا الحدث الديني الكبير.

رمضان بين التحديات والتمسك بالهوية

رغم التحديات الاجتماعية والسياسية، يقدّس المسلمون في الهند شهر رمضان تقديسًا بالغًا، ويعتبرون أي انتهاك لحرمته أمرًا مرفوضًا. ويحظى الشهر باحترام بعض غير المسلمين، فيما يحاول آخرون إثارة المشكلات بدوافع التعصب، إلا أن المسلمين يواصلون التمسك بهويتهم الدينية وتقاليدهم المتجذرة، في مجتمع متعدد الثقافات والديانات.