على امتداد الطريق الموازي لترعة المريوطية جنوب محافظة الجيزة، يتكرر المشهد ذاته: سيارة تنحرف فجأة، صرخات استغاثة، ومحاولات إنقاذ تنتهي غالبًا بفاجعة جديدة. في قرية منشية دهشور بالبدرشين، خيّم الحزن مجددًا بعد مصرع أربعة شباب غرقًا إثر سقوط سيارتهم في المياه، لتعود الأسئلة القديمة حول سلامة الطريق وغياب الحواجز الوقائية.

حادث يتجدد… وأسماء لا تُنسى

بلاغ إلى غرفة عمليات النجدة أعقبه تحرك سريع لسيارات الإسعاف وقوات الإنقاذ النهري، لكن النتيجة كانت مؤلمة. انتُشلت جثامين الشبان الأربعة ونُقلت إلى مستشفى شبرامنت العام، بينما باشرت النيابة العامة التحقيق، وندبت مفتش الصحة لتحديد سبب الوفاة، وكلفت لجنة فنية من المرور بفحص السيارة وبيان ما إذا كان الحادث نتيجة سرعة زائدة أم عطل مفاجئ.

ولم يكن هذا الحادث الأول؛ فخلال الفترة الماضية تكررت وقائع سقوط سيارات في الترعة ذاتها، في شبرامنت وأبو النمرس والبدرشين، وأسفرت عن ضحايا من مختلف الأعمار، بينهم طفلة ظلت جثتها مفقودة في المياه 48 ساعة قبل العثور عليها، في واقعة هزّت الرأي العام وأعادت الجدل حول خطورة الطريق.

ترعة المريوطية … «ترعة موت» بلا حواجز

يطلق السكان على المريوطية اسم «ترعة الموت». فالطريق الملاصق لها في مسافات طويلة يخلو من سور خرساني أو مصدات أمان، خاصة في المنحنيات والمناطق الضيقة. ومع تزايد الكثافة المرورية، يصبح أي خطأ بسيط كافيًا لدفع السيارة إلى السقوط مباشرة في المياه.

ويؤكد الأهالي أن مناطق عدة، بينها محيط كوبري زويل وطريق شبرامنت–الهرم السياحي، تشهد تكرارًا للحوادث، بسبب ضيق الطريق، ووجود رمال على جانبيه، وتهالك بعض أجزائه، ما يحوله إلى ما يشبه «نقطة سوداء» مرورية.

مبادرة أهلية… ووجع شخصي

في محاولة لوقف نزيف الضحايا، أعلن عدد من أبناء المنطقة مبادرة لبناء سور خرساني في أكثر المناطق خطورة، اعتمادًا على التبرعات والمشاركة المجتمعية.

ويقول عصام رجب، أحد مسؤولي حملة التوقيعات، إن مطلب بناء السور «طُرح من قبل، وهناك أجزاء منفذة بالفعل من جهة الهرم والعمرانية، لكن مسافات طويلة ما زالت دون حماية حتى قرية دهشور». ويضيف أن الأهالي حاولوا تنفيذ سور على نفقتهم الخاصة أمام القرية، إلا أن الأعمال توقفت مطالبين بأن يتم التنفيذ بشكل رسمي وأكثر احترافية من الجهات المختصة.

عريضة إلكترونية وضغط رسمي

من جانبه، أوضح محمد سليمان، أحد مسؤولي حملة التوقيعات، أن الأهالي أطلقوا عريضة إلكترونية جمعت حتى الآن نحو 1500 توقيع من القرى المتضررة، مؤكدًا أن الحملة مستمرة لجمع مزيد من الدعم الشعبي.

وأضاف أن الخطة تتضمن التوجه بنسخ من العريضة إلى رئاسة الجمهورية، ورئاسة مجلس الوزراء، ومحافظة الجيزة، وهيئة الطرق والكباري، ووزارة الري والموارد المائية، إضافة إلى نواب دوائر البدرشين والعياط وشبرامنت، للضغط نحو حل جذري.

ويشير القائمون على الحملة إلى أن بعض القرى فقدت عشرات الضحايا عبر السنوات، في ظل استمرار المشكلة دون تدخل شامل.

النائب أحمد الشناوي ل " خمسة سياسة ": شراكة الدولة والقطاع ال...

الرأي الفني: الحل دراسة وصيانة وتوسعة

المهندس أحمد حشيش، استشاري أعمال الطرق والكباري وعضو المجلس الأعلى لنقابة المهندسين، يوضح أن وجود طريق ملاصق لمجرى مائي ليس مخالفة في حد ذاته، إذ توجد طرق مشابهة في دول عدة، لكن الأمر يتطلب دراسة هندسية دقيقة لطبيعة التربة ودرجة الميل والمسافة بين الطريق والمجرى المائي.

ويؤكد أن إنشاء حائط خرساني أو تدعيم الجسور يقلل من نسب الحوادث والوفيات، حتى في حال ضعف التربة، مشيرًا إلى أن طريق شبرامنت يحتاج إلى خطة صيانة دورية عاجلة وتوسعة لاستيعاب الكثافة المرورية، مع معالجة الاعوجاج والمطبات والتلف العام.

ويرى أن تصنيف الطريق «نقطة سوداء» مروريًا يتطلب رصدًا رقميًا دقيقًا للحوادث، لكنه شدد على أن إجراءات عاجلة يمكن اتخاذها دون انتظار ميزانيات ضخمة، مثل وضع لافتات تحذيرية وتحديد السرعة القصوى وتركيب مطبات صناعية، مع التأكيد على أهمية التزام السائقين.

بين المسؤولية الرسمية وسلوك الطريق

تتقاطع في المريوطية أبعاد هندسية وإدارية وسلوكية. فغياب الحواجز والصيانة يضاعف خطورة أي خطأ بشري، فيما تمثل السرعة الزائدة وعدم الالتزام بالإرشادات عاملًا حاسمًا في تفاقم النتائج.

ويبقى السؤال مع كل حادث جديد: هل تتحول المطالب الشعبية والعريضة الإلكترونية إلى خطة تنفيذية شاملة تؤمّن الطريق، أم يظل الطريق الملاصق للماء شاهدًا على مآسٍ تتكرر بلا نهاية؟

احمد السنجيدي ل "خمسة سياسة" فوائد الدين العام تلتهم 80% من إ...