وسط تصاعد التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، دخلت جهود الوساطة الباكستانية مرحلة حساسة، مع اقتراب الطرفين من مفترق حاسم قد يقود إلى اتفاق ينهى الحرب المشتعلة منذ نهاية فبراير الماضى، أو يعيد المنطقة مجددًا إلى دوامة التصعيد العسكرى واسع النطاق.

وفى وقت بدا فيه المشهد الإقليمى معلقًا بين التهدئة والانفجار، أعلنت إيران أنها تدرس ردًا أمريكيًا جديدًا وصل عبر قنوات الوساطة الباكستانية، بينما لوّح الرئيس الأمريكى، دونالدترامب، بإمكانية استئناف الضربات ضد إيران إذا لم يتم التوصل إلى «الإجابات الصحيحة»، على حد وصفه.

تراجع أسعار النفط الأمريكي 5% مع اقتراب اتفاق واشنطن وطهران

وساطة باكستانية فى سباق مع الوقت

التحرك الباكستانى بدا الأكثر نشاطًا خلال الأيام الأخيرة، بعدما كثفت إسلام آباد اتصالاتها مع الطرفين فى محاولة لتقليص الفجوات العالقة، خصوصًا ما يتعلق بملف اليورانيوم عالى التخصيب ومستقبل السيطرة على مضيق هرمز.

وأكدت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية أن طهران «ترد على نص أرسلته الولايات المتحدة»، مشيرة إلى أن زيارة قائد الجيش الباكستانى، عاصم منير، إلى طهران تستهدف تقريب وجهات النظر تمهيدًا للتوصل إلى تفاهم رسمى.

كما استقبلت العاصمة الإيرانية وزير الداخلية الباكستانى، محسن نقوى، للمرة الثانية خلال أقل من أسبوع، فى مؤشر واضح على تسارع الاتصالات السياسية والأمنية بين الجانبين.

وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائى ، إن بلاده تلقت «وجهات نظر الجانب الأمريكى» وتقوم بدراستها، موضحًا أن زيارة المسؤول الباكستانى تهدف إلى تسهيل تبادل الرسائل بين طهران وواشنطن.

وبحسب مصادر مطلعة تحدثت إلى وكالة «رويترز»، فإن باكستان تتواصل مع «كل المجموعات المختلفة داخل إيران» لضمان استمرار الزخم السياسى، وسط مخاوف متزايدة من نفاد صبر الإدارة الأمريكية.

مسودة اتفاق.. و9 بنود لإنهاء الحرب

فى موازاة التحركات الدبلوماسية، كشفت تسريبات إعلامية عن مسودة اتفاق محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، تتضمن تسعة بنود رئيسية تمثل إطارًا أوليًا لإنهاء الحرب.

وتشمل المسودة وقفًا فوريًا وشاملًا وغير مشروط لإطلاق النار على جميع الجبهات، مع التزام متبادل بعدم استهداف البنية العسكرية أو المدنية أو الاقتصادية، ووقف العمليات العسكرية والحرب الإعلامية.

كما تنص البنود على احترام السيادة وعدم التدخل فى الشؤون الداخلية، وضمان حرية الملاحة فى الخليج العربى ومضيق هرمز، إضافة إلى إنشاء آلية مشتركة للمراقبة وحل النزاعات.

وتقترح المسودة بدء مفاوضات تفصيلية خلال سبعة أيام فقط من توقيع الاتفاق، مقابل رفع تدريجى للعقوبات الأمريكية بالتزامن مع تنفيذ إيران لبنود الاتفاق والامتثال للقانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة.

غير أن مصادر إيرانية أكدت أن الاتفاق لم يُحسم بعد، رغم تضاؤل حجم الخلافات مقارنة بالأسابيع الماضية.

اليورانيوم ومضيق هرمز.. عقدتا التفاوض

ورغم الحديث المتزايد عن قرب التوصل إلى تفاهم، لا تزال نقطتان تمثلان العقبة الأكبر أمام الاتفاق: مصير مخزون اليورانيوم عالى التخصيب، ومستقبل النفوذ الإيرانى فى مضيق هرمز.

وتتمسك واشنطن برفض بقاء اليورانيوم المخصب داخل إيران، فيما ترى طهران أن إخراج تلك المواد إلى الخارج سيجعلها أكثر عرضة للضغوط والتهديدات العسكرية مستقبلًا.

وكشفت مصادر إيرانية لوكالة «رويترز» أن المرشد الإيرانى،مجتبى خامنئى ، أصدر توجيهات بعدم نقل اليورانيوم عالى التخصيب خارج البلاد، فى موقف يعكس تشددًا واضحًا تجاه أحد أبرز المطالب الأمريكية.

وتشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن إيران تمتلك نحو 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهى كمية تكفى نظريًا لإنتاج عدة قنابل نووية إذا تمت زيادة نسبة التخصيب إلى 90%.

وفى المقابل، شدد ترامب على أن بلاده «لن تسمح أبدًا» لإيران بامتلاك سلاح نووى، مؤكدًا أن واشنطن ستصادر اليورانيوم عالى التخصيب أو تدمره إذا اقتضى الأمر.

أما الملف الثانى الأكثر حساسية، فيتعلق بمضيق هرمز، بعدما أعلنت الهيئة الإيرانية الجديدة المشرفة على المضيق إنشاء «منطقة سيطرة بحرية» تتطلب التنسيق المسبق والحصول على إذن لعبور بعض المناطق الحيوية.

الخطوة أثارت قلقًا غربيًا واسعًا، خاصة أن المضيق يمثل شريانًا رئيسيًا للطاقة العالمية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز الدولية.

خلاف أمريكى ــ إسرائيلى بشأن إنهاء الحرب

فى خضم هذه التطورات، كشفت تقارير أمريكية عن وجود تباين واضح بين واشنطن وتل أبيب بشأن آليات إنهاء الحرب.

ووفقًا لموقع «أكسيوس»، شهد الاتصال الهاتفى بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو ، أجواء متوترة نتيجة اختلاف الرؤى حول مستقبل المفاوضات مع إيران.

وبحسب الموقع، أبلغ ترامب نتنياهو بأن الوسطاء يعملون على إعداد «خطاب نوايا» يمهد لاتفاق رسمى يتبعه مسار تفاوضى يمتد 30 يومًا لمعالجة القضايا الأكثر تعقيدًا، وعلى رأسها البرنامج النووى الإيرانى وحرية الملاحة فى مضيق هرمز.

فى المقابل، أبدى نتنياهو قلقًا متزايدًا من منح إيران مساحة زمنية إضافية لإعادة ترتيب قدراتها العسكرية.

إيران تعيد بناء قدراتها العسكرية

وفى مؤشر يثير قلق واشنطن وحلفائها، كشفت شبكة «سى إن إن» نقلًا عن مصادر استخباراتية أمريكية أن إيران بدأت بالفعل إعادة بناء جزء كبير من قدراتها العسكرية خلال فترة وقف إطلاق النار الأخيرة.

وذكرت الشبكة أن طهران استأنفت إنتاج الطائرات المسيّرة، وتعمل على إعادة تأهيل مواقع الصواريخ ومنظومات التسليح بوتيرة أسرع من التقديرات الأمريكية السابقة.

وبحسب التقييمات الاستخباراتية، قد تتمكن إيران من استعادة قدرتها الكاملة على تنفيذ هجمات بالطائرات المسيّرة خلال أقل من ستة أشهر، وهو ما يضعف فرضية أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية نجحت فى شل القدرات العسكرية الإيرانية على المدى الطويل.

كما أشارت المصادر إلى أن الدعم الروسى والصينى ساهم فى تسريع عمليات إعادة البناء، إلى جانب بقاء أجزاء من القاعدة الصناعية الدفاعية الإيرانية سليمة نسبيًا رغم الضربات العسكرية.

الصين وروسيا تدخلان على خط الأزمة

التحركات الدبلوماسية لم تقتصر على باكستان وحدها، إذ أعلنت الصين دعمها الكامل للوساطة التى تقودها إسلام آباد، بالتزامن مع زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء الباكستانى، شهباز شريف، إلى بكين.

وأكدت الخارجية الصينية أن بكين تؤيد «وساطة عادلة ومتوازنة» تضمن إنهاء الحرب وتحقيق الاستقرار الإقليمى.

من جانبها، أبدت روسيا استعدادها للمساعدة فى تنفيذ أى ترتيبات تتعلق بمخزون اليورانيوم الإيرانى، مع التشديد على أن القرار النهائى يجب أن يبقى بيد طهران وحدها.

مفترق حاسم

ورغم المؤشرات المتزايدة على وجود تقدم سياسى، فإن الساعات المقبلة تبدو حاسمة فى تحديد مستقبل الأزمة، خاصة مع استمرار التهديدات الأمريكية، وتمسك إيران بمواقفها الأساسية.

وبينما تسابق الوساطات الإقليمية والدولية الزمن لمنع انهيار المحادثات، تبقى المنطقة أمام احتمالين لا ثالث لهما: اتفاق هش يوقف الحرب مؤقتًا، أو عودة سريعة إلى مواجهة قد تكون أكثر اتساعًا وتعقيدًا من كل ما سبق.

تراجع أسعار النفط الأمريكي 5% مع اقتراب اتفاق واشنطن وطهران