تقترب الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى تفاهم سياسي مؤقت قد يمهّد لإنهاء واحد من أخطر فصول التصعيد في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، وسط مؤشرات متزايدة على نجاح الاتصالات غير المباشرة بين الطرفين في تثبيت وقف إطلاق النار وتحويله إلى اتفاق يمتد لـ60 يوماً قابلاً للتجديد، تمهيداً لتسوية أوسع تشمل الملف النووي والعقوبات وأمن الملاحة الإقليمية.

تراجع أسعار النفط الأمريكي 5% مع اقتراب اتفاق واشنطن وطهران

وبحسب ما كشفته تقارير أمريكية وإيرانية متقاطعة، فإن “مذكرة التفاهم” الجاري التفاوض بشأنها لا تزال تواجه خلافات محدودة، إلا أن الجانبين يبدوان أقرب من أي وقت مضى إلى صيغة مؤقتة تمنع انهيار التهدئة الحالية وتفتح الباب أمام مفاوضات أكثر تعقيداً خلال المرحلة المقبلة.

هدنة مؤقتة تمهّد لاتفاق أكبر

المقترح المطروح حالياً يقوم على تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً، في إطار تفاهم مرحلي يتضمن إجراءات متبادلة بين واشنطن وطهران، أبرزها إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، مقابل تخفيف تدريجي للقيود الأمريكية على صادرات النفط الإيرانية والموانئ.

ويهدف الاتفاق المؤقت إلى خلق مناخ سياسي وأمني يسمح ببدء مفاوضات أوسع بشأن القضايا الأكثر حساسية، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية الأمريكية.

ورغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن أن الاتفاق “تم التفاوض عليه إلى حد بعيد”، فإنه شدد في الوقت ذاته على أن واشنطن “لن تتسرع” في إقراره النهائي، في إشارة إلى استمرار وجود ملفات عالقة تحتاج إلى حسم.

مضيق هرمز.. النقطة الأكثر حساسية

يظل مضيق هرمز العنوان الأبرز في التفاهم المرتقب، نظراً لأهميته الاستراتيجية باعتباره ممراً حيوياً يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية.

ووفقاً للتفاهمات الأولية، ستسمح إيران بعودة حركة الشحن إلى مستويات ما قبل الحرب خلال فترة تمتد إلى 30 يوماً، مع إزالة الألغام وتأمين الملاحة، مقابل تخفيف القيود الأمريكية المفروضة على الموانئ الإيرانية.

لكن طهران حرصت على التأكيد أن إعادة فتح المضيق لا تعني تخليها عن حقها في الإشراف على حركة العبور أو فرض ترتيبات أمنية جديدة، حيث نقلت وسائل إعلام مقربة من الحرس الثوري أن المضيق سيبقى “خاضعاً للإشراف الإيراني”.

كما شددت الخارجية الإيرانية على أن ملف المضيق “ليس شأناً أمريكياً”، وإنما يرتبط بالدول المطلة عليه، وفي مقدمتها سلطنة عُمان.

في المقابل، أكد ترامب أن العقوبات والحصار الأمريكي سيظلان “ساريين بكامل القوة” إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي شامل، ما يعكس استمرار فجوة الثقة بين الجانبين رغم التقدم السياسي الحالي.

الملف النووي.. العقدة الأصعب

ورغم أن مذكرة التفاهم المرتقبة تركز أساساً على تثبيت التهدئة، فإن الملف النووي يظل القضية الأكثر تعقيداً في أي اتفاق دائم.

وتشير التسريبات إلى أن إيران ستتعهد بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، إلى جانب الدخول في مفاوضات لاحقة حول وقف تخصيب اليورانيوم والتعامل مع مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب.

غير أن طهران ترفض حتى الآن تقديم التزامات مكتوبة بشأن تفكيك منشآت أو تسليم مخزونات نووية، مؤكدة أن مناقشة هذه الملفات لن تبدأ قبل تثبيت اتفاق إنهاء الحرب.

وتؤكد إيران أن أي اتفاق نهائي يجب أن يتضمن اعترافاً بحقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، بينما تصر واشنطن على ضرورة فرض قيود صارمة وطويلة الأمد على عمليات التخصيب.

ويرى مراقبون أن الخلاف حول مصير أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب سيكون أحد أكبر التحديات أمام أي اتفاق شامل مستقبلي.

الأصول المجمدة والعقوبات.. أولوية إيرانية

في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة التي تواجهها إيران، تضع طهران ملف الأصول المجمدة ورفع العقوبات على رأس أولوياتها التفاوضية.

وتطالب الحكومة الإيرانية بالإفراج الفوري عن مليارات الدولارات المحتجزة في بنوك أجنبية، إلى جانب تقديم ضمانات واضحة لاستمرار تخفيف العقوبات خلال المراحل التالية من الاتفاق.

لكن واشنطن لم تقدم حتى الآن التزامات واضحة بشأن آلية الإفراج عن الأموال الإيرانية، مكتفية بالحديث عن خطوات تدريجية مرتبطة بمدى التزام طهران بالإجراءات الأمنية والنووية المطلوبة.

وتقدّر تقارير إيرانية أن رفع القيود عن صادرات النفط وحدها قد يوفّر نحو 10 مليارات دولار للاقتصاد الإيراني خلال شهرين فقط، وهو ما يمنح الاتفاق أهمية استثنائية بالنسبة لطهران.

الصواريخ الباليستية.. ملف مؤجل

ورغم أن الإدارة الأمريكية كانت قد شددت خلال فترة التصعيد على ضرورة تقييد برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، فإن هذا الملف تراجع حضوره في المفاوضات الحالية.

وتبدو واشنطن حريصة في المرحلة الراهنة على تثبيت التهدئة ومنع اتساع الصراع، بينما تفضّل تأجيل القضايا العسكرية الأكثر حساسية إلى مرحلة لاحقة من المفاوضات.

غير أن إسرائيل وعدداً من دول الخليج لا تزال تعتبر البرنامج الصاروخي الإيراني تهديداً مباشراً، ما قد يعقّد أي محاولة للوصول إلى اتفاق دائم.

لبنان وحزب الله.. قلق إسرائيلي متصاعد

التفاهمات الجارية تطرقت أيضاً إلى الجبهة اللبنانية، حيث تشير التسريبات إلى وجود بند يتعلق بإنهاء المواجهات بين إسرائيل وحزب الله ضمن صيغة “الهدوء مقابل الهدوء”.

لكن هذا البند أثار تحفظات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي شدد خلال اتصالاته مع ترامب على ضرورة احتفاظ إسرائيل بحرية التحرك العسكري ضد أي تهديدات محتملة في لبنان أو غيره.

ووفقاً لمسؤولين أمريكيين، فإن واشنطن أكدت لإسرائيل أن أي خرق من جانب حزب الله سيقابل بحق إسرائيلي في الرد، في محاولة لطمأنة تل أبيب دون نسف التفاهم الجاري مع طهران.

دعم إقليمي وتحركات دبلوماسية مكثفة

وشهدت الساعات الأخيرة اتصالات سياسية مكثفة شاركت فيها عدة دول إقليمية، بينها قطر والسعودية والإمارات ومصر وتركيا وباكستان، لدعم فرص التوصل إلى الاتفاق.

كما برزت باكستان كوسيط نشط في المفاوضات، عبر تحركات قادها قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، الذي زار طهران في إطار الجهود الرامية إلى تقريب وجهات النظر.

وتأمل الإدارة الأمريكية في حسم النقاط العالقة خلال وقت قصير، تمهيداً للإعلان الرسمي عن الاتفاق، وسط قناعة متزايدة لدى واشنطن بأن الضغوط الاقتصادية المتفاقمة قد تدفع إيران إلى تقديم تنازلات تسمح بالتوصل إلى تسوية أوسع وأكثر استدامة.

بين التهدئة والانفجار

ورغم الأجواء الإيجابية المحيطة بالمفاوضات، لا تزال الشكوك قائمة بشأن قدرة الطرفين على تجاوز إرث طويل من انعدام الثقة والصراعات المتراكمة.

فالاتفاق المرتقب، إن تم توقيعه، لن يكون نهاية الخلافات بين واشنطن وطهران، بقدر ما سيكون محاولة لتجميد أخطر الملفات ومنع المنطقة من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة جديدة.

لكن نجاح هذه الخطوة قد يفتح الباب أمام إعادة رسم التوازنات الإقليمية، ويمنح الشرق الأوسط فرصة نادرة لالتقاط الأنفاس بعد سنوات من التصعيد المتواصل.

لبنان: المسار الأمني للمفاوضات مع إسرائيل لا ينفصل عن الإطار...