تعد ثورة 30 يونيو هي نقطة التحول التاريخية التي غيرت مسار الدولة المصرية، وكذلك الإرادة الشعبية الحاسمة التي حافظت على هويتها الوطنية، لتفتح الباب نحو بناء الجمهورية الجديدة.
وفي لحظة فاصلة من تاريخ الوطن، وحين بلغت الأزمة ذروتها، خرج الملايين من أبناء الشعب المصري إلى ميادين التحرير في ثورة استثنائية، لتصحيح المسار والحفاظ على هوية الدولة.
ونحن علي أعتاب الاحتفال بالذكرى الثالثة عشرة لثورة 30 يونيو المجيدة، نفتح دفاتر التاريخ والسياسة من خلال حوارنا مع ضيفنا اللواء دكتور محمد دسوقي، خبير في الأمن القومي والدراسات الاستراتيجية، لقراءة ما بين السطور حول تلك اللحظة الفارقة، وكيف تحول وعي الشعب المصري لإنقاذ البلاد من الانهيار، وما هي ملامح طريق بناء الدولة الحديثة؟.
مكتسبات ثورة 30 يونيو وأبعادها الاستراتيجية
كيف غيرت ثورة 30 يونيو الخريطة الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط؟
مثلت أحداث 30 يونيو نقطة تحول في المشهد الإقليمي، إذ أعادت مصر إلى موقعها كفاعل رئيسي في معادلات الأمن والاستقرار بالشرق الأوسط، كما عززت من حضورها في ملفات إقليمية متعددة، مثل أمن البحر الأحمر، وشرق المتوسط، والقضية الفلسطينية، والأزمة الليبية، بما إنعكس على إعادة تشكيل العديد من التوازنات الإقليمية.
ما هي أبرز التحديات الأمنية التي واجهت القوات المسلحة مباشرة بعد الثورة؟
واجهت الدولة تحديات أمنية معقدة، تمثلت في تصاعد النشاط الإرهابي، ومحاولات استهداف مؤسسات الدولة، وتأمين الحدود الممتدة، والحفاظ على الاستقرار الداخلي، بالتوازي مع استمرار مؤسسات الدولة في أداء وظائفها الأساسية.
كيف نجحت الدولة في القضاء على البؤر الإرهابية في سيناء عقب هذه الأحداث؟
اعتمدت الدولة على استراتيجية شاملة جمعت بين العمليات العسكرية والأمنية، وتعزيز التنمية في سيناء، وتطوير البنية التحتية، ورفع كفاءة منظومة المعلومات، والتعاون بين مختلف مؤسسات الدولة، بما ساهم في تقليص قدرات التنظيمات الإرهابية بصورة كبيرة.
كيف يفسر العلم العسكري قرار الجيش بالانحياز للمطالب الشعبية في 2013؟
من منظور عسكري، تستند العقيدة العسكرية المصرية إلى حماية الأمن القومي والحفاظ على تماسك الدولة ومؤسساتها، وقد رأت القيادة آنذاك أن التدخل جاء في إطار تجنب تصاعد حالة الاستقطاب والحفاظ على استقرار الدولة.
ما هو مفهوم الأمن القومي المصري خلال تلك الفترة؟
اتسع مفهوم الأمن القومي ليشمل حماية الحدود، ومواجهة الإرهاب، والحفاظ على مؤسسات الدولة، وتأمين الموارد الاستراتيجية، وحماية المصالح الاقتصادية، إلى جانب التعامل مع التهديدات التقليدية وغير التقليدية. ويعنى: القدرة على توفير أكبر قدر من الحماية والاستقرار لتحقيق التنمية الشاملة للدولة في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية والعسكرية والبيئية والمعلوماتية في الدولة ضد كافة أنواع التهديدات الداخلية والخارجية سواء الإقليمية أو العالمية لتحقيق الأهداف القومية للدولة.
كيف تعاملت القيادة العامة مع الضغوط والتوازنات الدولية في ذلك الوقت؟
اعتمدت القيادة على سياسة اتسمت بالحفاظ على القرار الوطني، مع استمرار التواصل مع الشركاء الدوليين وشرح تطورات الأوضاع، والعمل على تجنب عزل مصر دوليًا، بالتوازي مع تنويع العلاقات الخارجية.
كيف ساهمت الثورة في تسريع خطة تنويع مصادر السلاح للجيش المصري؟
فى ضوء ما شهدته البلاد من ضغوط دولية بهذا الجانب إثر ثورة 30 يونيو، شهدت السنوات التالية توسعاً في سياسة تنويع مصادر التسليح، بما وفر مرونة أكبر في الحصول على المعدات والتكنولوجيا العسكرية، وخفف من الاعتماد على مصدر واحد، وعزز قدرات القوات المسلحة في مختلف الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة.
ما الأهمية الاستراتيجية لتأسيس القواعد العسكرية الجديدة؟
جاء إنشاء قواعد مثل قاعدة "محمد نجيب" وقاعدة "برنيس" ضمن رؤية لتعزيز سرعة الانتشار، وتأمين الإتجاهات الاستراتيجية، ودعم القدرة على حماية الحدود والمصالح الاقتصادية والممرات البحرية.
كيف تطورت قدرات القوات البحرية لحماية حقول الغاز والاقتصاد المصري في المتوسط؟
شهدت القوات البحرية تحديثاً في الوحدات القتالية وقدرات المراقبة والسيطرة،
بما عزز قدرتها على تأمين السواحل والمنطقة الاقتصادية الخالصة، وحماية البنية التحتية للطاقة وخطوط الملاحة.
كيف نجحت الدبلوماسية المصرية في تغيير الموقف الدولي؟
اعتمدت الدبلوماسية المصرية على التواصل المستمر مع العواصم المؤثرة والمنظمات الدولية، وشرح تطورات المشهد الداخلي وخارطة الطريق السياسية، وهو ما أسهم تدريجياً في توسيع نطاق التعاون واستعادة العلاقات مع العديد من الشركاء.
ما هي كواليس إقناع القوى الكبرى بمشروعية مطالب الشعب؟
استندت الجهود الدبلوماسية إلى لقاءات واتصالات رسمية، وتقديم رؤية الدولة بشأن المرحلة الانتقالية، والتأكيد على الالتزام بإجراء انتخابات وصياغة دستور واستكمال مؤسسات الدولة وفق خارطة الطريق المعلنة.
كيف أسهمت الثورة في إعادة صياغة الشراكات الدولية؟
شهدت السياسة الخارجية توسعًا في دوائر التعاون مع عدد من القوى الدولية، من بينها روسيا والصين والاتحاد الأوروبي، إلى جانب الحفاظ على العلاقات مع شركاء تقليديين، بما عزز من تنوع الشراكات الاقتصادية والعسكرية.
كيف أثرت ثورة 30 يونيو على التوازنات السياسية في الشرق الأوسط؟
أسهمت في إعادة تموضع مصر داخل التفاعلات الإقليمية، وتعزيز دورها في عدد
من الملفات المرتبطة بالأمن والاستقرار، مع استمرار اختلاف تقييمات المراقبين بشأن حجم هذا التأثير في بعض القضايا.
ما هو الدور الذي لعبته دول الخليج العربي؟
قدمت عدد من دول الخليج دعماً سياسياً واقتصادياً لمصر خلال المرحلة الانتقالية، بما ساهم في دعم الاستقرار الاقتصادي وتعزيز التعاون في العديد من الملفات ذات الاهتمام المشترك.
كيف ساهمت الثورة في استعادة مصر لدورها داخل الاتحاد الأفريقي؟
عملت مصر على تنشيط تحركها داخل القارة الأفريقية من خلال تعزيز التعاون الثنائي ومتعدد الأطراف، والمشاركة في المبادرات التنموية، واستضافة فعاليات إقليمية،
بما دعم حضورها داخل الاتحاد الأفريقي.
كيف شكلت الثورة نقطة انطلاق لتأسيس "الجمهورية الجديدة"؟
شهدت السنوات التالية إطلاق برامج واسعة لتطوير البنية الأساسية، والإصلاح الاقتصادي، والتحول الرقمي، وإنشاء مدن جديدة، إلى جانب استكمال المؤسسات الدستورية، وهي خطوات تقدمها الدولة باعتبارها جزءاً من مشروع "الجمهورية الجديدة".
ما هي الآليات السياسية التي استخدمت لدمج التيارات الوطنية في خارطة الطريق؟
تضمنت المرحلة الانتقالية تشكيل لجان لصياغة الدستور، وإجراء استحقاقات انتخابية، وإشراك قوى وشخصيات من اتجاهات مختلفة في عدد من الحوارات واللجان.
كيف نجحت الدولة في تحقيق التوازن بين الاستقرار الأمني والحريات السياسية؟
سعت الدولة إلى تحقيق الاستقرار بالتوازي مع استكمال المؤسسات الدستورية والإطار التشريعي، وفي المقابل، استمرت مناقشات محلية ودولية حول كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وضمانات الحقوق والحريات، وهو موضوع ما يزال محل نقاش في العديد من الدول التي تواجه تحديات أمنية مماثلة.
