رغم أن مذكرة التفاهم الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران جاءت في إطار محدود وغير ملزم قانونيًا، فإنها تمثل نقطة تحول مؤثرة في المشهد الإقليمي، إذ تؤسس لمرحلة مؤقتة من خفض التصعيد بين الطرفين، بينما تؤجل حسم الملفات الجوهرية إلى جولات تفاوضية لاحقة قد تكون أكثر تعقيدًا، وربما أكثر خطورة.
وتذهب ورقة بحثية صادرة عن مركز "بيسا" إلى أن المذكرة، على محدودية نطاقها، ستكون العامل الأكثر تأثيرًا في التفاعلات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط خلال الأشهر المقبلة، باعتبارها أعادت ترتيب أولويات الصراع بين واشنطن وطهران دون أن تقدم حلولًا نهائية للقضايا الخلافية.
مكاسب عسكرية أمريكية.. وتسوية سياسية مؤقتة
ترى الدراسة أن الولايات المتحدة نجحت، قبل توقيع المذكرة، في تحقيق مكاسب استراتيجية عبر الضغوط العسكرية التي تعرضت لها إيران، إذ أضعفت قدراتها العسكرية، وقلصت هامش حركتها النووية، وأثرت بصورة مباشرة على اقتصادها واستقرار مؤسساتها.
وبحسب التقييم، فإن طهران دخلت مرحلة إنهاك استراتيجي جعلها أقل قدرة على فرض نفوذها التقليدي، بينما أصبحت تعتمد بصورة أكبر على أدوات الحرب غير التقليدية، مثل الوكلاء الإقليميين والهجمات غير المتكافئة.
وفي المقابل، لم تتضمن مذكرة التفاهم أي اعتراف أمريكي بالمطالب الإيرانية الأساسية، كما أبقت ملف البرنامج النووي مفتوحًا أمام جميع السيناريوهات المستقبلية، مع التشديد على ضرورة ضمان عدم تطوير إيران لسلاح نووي.
هدنة لا تعني نهاية الأزمة
وتعتبر الورقة أن الاتفاق لا يمثل تسوية نهائية، وإنما يمنح إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فترة هدوء مؤقتة، مقابل حصول إيران على متنفس اقتصادي محدود لا يكفي لمعالجة أزمتها الاقتصادية العميقة.
كما تشكك الدراسة في جدوى الوعود الخاصة بإعادة إعمار الاقتصاد الإيراني، معتبرة أن الحديث عن آليات تمويل ضخمة يفتقر إلى الضمانات العملية، في ظل غياب استعداد دولي لتحمل هذه الأعباء.
ثغرات استراتيجية قد تقود إلى مواجهة جديدة
ورغم إقرار الدراسة بالمكاسب الأمريكية، فإنها ترى أن الطريقة التي أُبرمت بها المذكرة أضعفت الموقف التفاوضي لواشنطن.
وتشير إلى أن القيادة الإيرانية خرجت بانطباع مفاده أن الولايات المتحدة مستعدة لتقديم تنازلات من أجل تجنب التصعيد، وهو ما قد يدفع طهران إلى تشديد مواقفها خلال المفاوضات المقبلة، مع ارتفاع احتمالات العودة إلى المواجهة العسكرية خلال عام 2027 إذا تعثرت الجهود الدبلوماسية.
كما تنتقد الدراسة تركيز واشنطن على ضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز دون الحصول على تنازلات إيرانية مباشرة في الملف النووي، معتبرة أن ذلك منح طهران ورقة ضغط إضافية بدلاً من تقليص نفوذها.
الوكلاء والصواريخ... ملفات مؤجلة
وتؤكد الدراسة أن مذكرة التفاهم لم تتعامل بصورة مباشرة مع برنامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة أو شبكة الحلفاء الإقليميين لإيران، معتبرة أن هذه الملفات ستظل تُدار عبر الضغوط العسكرية والسياسية في العراق ولبنان واليمن، وليس من خلال اتفاقات رسمية.
وفي المقابل، تحذر من أن فترة التهدئة قد تمنح بعض القوى الحليفة لطهران فرصة لإعادة ترتيب صفوفها، وفي مقدمتها حزب الله، بما قد ينعكس على التوازنات الأمنية في المنطقة.
المعارضة الإيرانية... الخاسر الأكبر
ومن بين أبرز النتائج التي تتوقف عندها الدراسة، أن الاتفاق وجه ضربة للمعارضة الإيرانية، إذ عزز قناعة قطاعات واسعة داخل إيران بأن الولايات المتحدة عادت لتقديم الأولوية للتفاهم مع النظام على حساب دعم أي تغيير داخلي، وهو ما قد يضعف فرص التحولات السياسية مستقبلاً.
انعكاسات مباشرة على إسرائيل
وتخصص الورقة جانبًا مهمًا للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، معتبرة أن واشنطن كررت نمطًا تاريخيًا يتمثل في استثمار الإنجازات العسكرية الإسرائيلية لخدمة أولوياتها السياسية الأوسع.
وتشير إلى أن هذا النهج ليس جديدًا، إذ سبق أن تكرر عقب أزمات وحروب عديدة في الشرق الأوسط، عندما مارست الإدارات الأمريكية ضغوطًا على إسرائيل للدخول في ترتيبات سياسية بعد تحقيق مكاسب عسكرية.
إلا أن الدراسة ترى أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بالمذكرة الحالية بقدر ما يرتبط بالمستقبل، إذ ترجح أن يكون دونالد ترامب آخر رئيس أمريكي يقدم دعمًا غير مشروط لإسرائيل، في ظل التحولات الديموغرافية والسياسية داخل الولايات المتحدة، وهو ما قد يفرض على تل أبيب إعادة صياغة استراتيجيتها الأمنية وتحالفاتها الدولية.
تلخص الدراسة إلى أن مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية لم تُنهِ الصراع بين الجانبين، بل نقلته إلى مرحلة جديدة عنوانها "إدارة الأزمة" بدلاً من حلها. وبينما حافظت واشنطن على أهدافها المعلنة بشأن البرنامج النووي، فإنها - بحسب تقييم مركز بيسا - فقدت جزءًا من أوراق الضغط التي راكمتها خلال الأشهر الماضية، وهو ما قد يجعل أي مفاوضات مستقبلية أكثر صعوبة، ويزيد احتمالات العودة إلى خيار القوة إذا تعذر التوصل إلى اتفاق دائم.
وفي المقابل، تبدو منطقة الشرق الأوسط مقبلة على مرحلة تتداخل فيها التهدئة الدبلوماسية مع استمرار الصراع غير المباشر، في انتظار ما ستسفر عنه جولات التفاوض المقبلة، وما إذا كانت ستنجح في تحويل الهدنة المؤقتة إلى تسوية مستدامة، أم أنها ستكون مجرد استراحة تسبق جولة جديدة من التصعيد.
إيران: إزالة الألغام في مضيق هرمز مسؤوليتنا ونرفض أي تدخل خار...
