تحولت العلاقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورجل الأعمال إيلون ماسك، خلال أقل من عامين، من أحد أقوى التحالفات السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة إلى مواجهة علنية هزّت واشنطن ووادي السيليكون، قبل أن تبدأ مؤشرات تهدئة حذرة في الظهور خلال عام 2026، كان عنوانها الأبرز ملف التبرعات لبرنامج "حسابات ترامب".
بدأ التقارب بين الرجلين بصورة واضحة عقب محاولة اغتيال ترامب في ولاية بنسلفانيا في يوليو 2024، عندما أعلن ماسك دعمه الكامل للرئيس الجمهوري، ثم تحول هذا الدعم إلى مساهمة مالية غير مسبوقة، إذ ضخ أكثر من 290 مليون دولار لدعم حملة ترامب الانتخابية والمرشحين الجمهوريين.
ومع فوز ترامب في الانتخابات، أصبح ماسك أحد أكثر الشخصيات نفوذًا داخل الإدارة الجديدة، حيث تولى قيادة إدارة كفاءة الحكومة (DOGE)، وشارك في اجتماعات مجلس الوزراء، كما لعب دورًا مؤثرًا في ملفات إعادة هيكلة الحكومة وخفض الإنفاق الفيدرالي.
بداية الخلاف.. قانون الإنفاق يفجر الأزمة
رغم هذا التحالف الوثيق، بدأت الخلافات تظهر في مايو 2025 عندما أعلن ماسك اعتراضه على مشروع قانون ترامب للضرائب والإنفاق، المعروف باسم "القانون الواحد الكبير والجميل"، معتبرًا أنه يزيد من عجز الموازنة ويتعارض مع جهود تقليص الإنفاق التي قادها خلال عمله الحكومي.
ومع انتهاء فترة عمله الرسمية داخل البيت الأبيض، صعّد ماسك انتقاداته عبر منصة "إكس"، ووصف مشروع القانون بأنه "عمل شنيع ومقزز"، ودعا أعضاء الكونغرس إلى إسقاطه، وهو ما اعتبره البيت الأبيض تحديًا مباشرًا للرئيس.
وسرعان ما تحولت الخلافات السياسية إلى مواجهة شخصية، بعدما اتهم ماسك ترامب بـ"نكران الجميل"، وألمح إلى ضرورة عزله، كما أثار جدلًا واسعًا عندما أشار إلى ارتباط اسم ترامب بملفات جيفري إبستين، بينما رد الرئيس مهددًا بإلغاء العقود والإعانات الحكومية التي تحصل عليها شركات ماسك، وعلى رأسها سبيس إكس وتسلا.
خسائر اقتصادية وقلق داخل الحزب الجمهوري
أثرت المواجهة على الأسواق المالية، إذ فقدت تسلا نحو 150 مليار دولار من قيمتها السوقية خلال جلسة واحدة، كما أثارت الأزمة مخاوف داخل الحزب الجمهوري من فقدان أحد أكبر مموليه السياسيين، خاصة بعدما أعلن ماسك عزمه تقليص إنفاقه السياسي مستقبلًا.
ورغم حدة التصعيد، بدأت خلال النصف الثاني من عام 2025 مؤشرات على تراجع التوتر، مع أحاديث داخل البيت الأبيض عن إمكانية استعادة قنوات التواصل بين الطرفين.
2026.. التبرعات تعيد فتح باب التقارب
شهد عام 2026 تطورًا مختلفًا في العلاقة، بعدما أطلقت إدارة ترامب برنامج "حسابات ترامب"، وهو نظام ادخار واستثمار للأطفال الأمريكيين يمنح كل طفل مولود بين عامي 2025 و2028 إيداعًا حكوميًا أوليًا بقيمة ألف دولار داخل حساب استثماري معفى من الضرائب.
وسعت الإدارة إلى جذب مساهمات من كبرى الشركات ورجال الأعمال، حيث أعلن مايكل ديل وزوجته التبرع بمليارات الدولارات للبرنامج، كما انضمت شركات مثل ميكرون، وإنتل، وبلاك روك، وروبن هود، وجيه بي مورغان تشيس إلى المبادرة.
وفي هذا السياق، كشف مسؤولون أن إدارة ترامب أجرت محادثات مع شركة سبيس إكس بشأن إمكانية التبرع بأسهم من الشركة لصالح البرنامج، وهو ما اعتُبر أول مؤشر عملي على تحسن العلاقات بين الجانبين بعد أشهر من القطيعة.
ترامب يراهن على مساهمة ماسك
وفي مقابلة مع شبكة CNBC، أكد ترامب أنه بعث برسالة تهنئة إلى ماسك عقب الإدراج التاريخي لشركة سبيس إكس في بورصة ناسداك، والذي رفع قيمة الشركة إلى نحو 2.2 تريليون دولار وجعل ماسك أول تريليونير في العالم.
وقال الرئيس الأمريكي إنه يتوقع أن يتبرع ماسك بأسهم من سبيس إكس لدعم البرنامج، واصفًا الخلاف الذي وقع بينهما بأنه "خلاف بسيط"، ومؤكدًا أن العلاقة الشخصية بينهما ما زالت جيدة.
كما أوضح ترامب أن أسباب الخلاف تعود بالأساس إلى قراره إلغاء الحوافز والدعم الممنوح للسيارات الكهربائية، وهو القرار الذي لم يكن ماسك راضيًا عنه، لكنه شدد على أن ذلك لم ينهِ العلاقة بينهما.
نائبة ماسك تسبق رئيسها
ورغم عدم إعلان إيلون ماسك حتى الآن أي مساهمة رسمية في البرنامج، جاءت الخطوة الأبرز من داخل شركة سبيس إكس نفسها.
فقد أعلنت جوين شوتويل، رئيسة العمليات في الشركة ونائبة ماسك، تبرعها مع زوجها بمليوني سهم من أسهم سبيس إكس لصالح "حسابات ترامب"، في هدية تُقدَّر قيمتها بنحو 320 مليون دولار وفق أسعار التداول الحالية.
وأكدت شوتويل أن المبادرة تستهدف نحو مليوني طفل أمريكي، مع إعطاء أولوية للأطفال المقيمين في المناطق منخفضة ومتوسطة الدخل، وخاصة في وسط ولاية تكساس، مشيرة إلى أن الهدف هو منح الأجيال الجديدة فرصة لبناء مستقبل أفضل وتشجيعهم على الابتكار واستكشاف الفضاء.
هل تنتهي القطيعة؟
ورغم أن ماسك لا يزال يلتزم الصمت بشأن تقديم تبرع شخصي، فإن التحركات الأخيرة، سواء من جانب إدارة ترامب أو من داخل سبيس إكس، تعكس رغبة متبادلة في خفض حدة التوتر، خصوصًا مع استمرار اعتماد الحكومة الأمريكية على خدمات الشركة في برامج الفضاء والدفاع والاتصالات.
ويبقى السؤال المطروح داخل الأوساط السياسية الأمريكية: هل يشكل ملف التبرعات بداية لمصالحة كاملة بين ترامب وماسك، أم أنه مجرد تقارب تفرضه المصالح الاقتصادية والسياسية، بينما تظل الخلافات الجوهرية قائمة وقابلة للاشتعال من جديد؟
نبيل فهمي يحذر من تصعيد خطير في جنوب لبنان ويدعو لتحرك دولي ع...
