تواجه إيران مرحلة سياسية وأمنية شديدة التعقيد، مع تصاعد نفوذ التيار المتشدد الذي يسعى إلى ترجيح خيار المواجهة العسكرية على حساب المسار الدبلوماسي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انهيار الجهود الرامية إلى احتواء التصعيد مع الولايات المتحدة وإحياء المفاوضات بشأن البرنامج النووي.

وبحسب ما أوردته صحيفة نيويورك تايمز، فإن مقتل عدد من كبار القادة الإيرانيين خلال المواجهات الأخيرة خلق فراغًا داخل دوائر صنع القرار، دفع المحافظين والمتشددين إلى تكثيف تحركاتهم لتعزيز حضورهم السياسي والأمني، مستفيدين من أجواء الحداد والتوتر الداخلي لتوسيع نفوذهم والدفع باتجاه استمرار المواجهة مع واشنطن.

استثمار أجواء الأزمة

ونقلت الصحيفة عن سعيد جولكار، الأستاذ بجامعة تينيسي في تشاتانوجا والمتخصص في دراسة قوات الأمن الإيرانية، أن التيار المتشدد يحاول استغلال حالة انعدام الأمن القومي لتضييق مساحة النقاش السياسي داخل إيران، وتصوير أي توجه نحو التسوية أو التفاوض مع الولايات المتحدة باعتباره خيارًا يهدد المصالح الاستراتيجية للدولة ويفتقر إلى الشرعية الأخلاقية.

ويرى مراقبون أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى تقويض الأصوات الداعية إلى استئناف الحوار مع الغرب، وإعادة رسم المشهد السياسي الداخلي بما يمنح المحافظين دورًا أكبر في تحديد توجهات السياسة الخارجية الإيرانية خلال المرحلة المقبلة.

الضربات العسكرية تعقد المشهد

وجاءت هذه التحولات بالتزامن مع استئناف الضربات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران الأسبوع الماضي، على خلفية الخلافات المتعلقة بحرية الملاحة والسيطرة على الممرات البحرية في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة العالمية.

وترى الصحيفة أن تجدد العمليات العسكرية يهدد بإفشال مذكرة التفاهم التي وقعها الجانبان في 17 يونيو، والتي كانت تمثل إطارًا أوليًا لاستئناف محادثات السلام وبحث مستقبل البرنامج النووي الإيراني، وهو ما يزيد من حالة عدم اليقين بشأن فرص العودة إلى طاولة المفاوضات.

صراع داخل دوائر القرار

ولا يقتصر الخلاف داخل إيران على الموقف من الولايات المتحدة، بل يمتد إلى رؤية أوسع لطبيعة إدارة الصراع مع الغرب. ويصف علي فتح الله نجاد، مدير مركز الشرق الأوسط والنظام العالمي في برلين، المشهد بأنه صراع بين تيارين؛ الأول يمنح الأولوية للمواجهة العسكرية، بينما يرى الثاني أن الدبلوماسية تمثل الخيار الأكثر جدوى لحماية مصالح البلاد.

ويعتقد أنصار الخيار العسكري أن البرنامج النووي والصواريخ الباليستية وشبكة الحلفاء الإقليميين تمثل عناصر أساسية لضمان بقاء النظام وتعزيز قدرته على الردع، ولذلك يرفضون تقديم أي تنازلات قد تؤثر في هذه الملفات.

في المقابل، ترى أطراف أخرى داخل المؤسسة الإيرانية أن استمرار التوتر مع الغرب يفاقم الأزمة الاقتصادية ويزيد من عزلة البلاد، ما يجعل التفاوض وسيلة ضرورية لتخفيف الضغوط واستعادة قدر من الاستقرار الاقتصادي.

نفوذ المتشددين... بين الضجيج والتأثير

ورغم الحضور الإعلامي والسياسي القوي للتيار المتشدد، تشير نيويورك تايمز إلى أن تأثيره الفعلي لا يوازي دائمًا حجم خطابه، إذ لا تزال هناك شخصيات ومؤسسات داخل النظام تؤيد الانخراط في مفاوضات مع الولايات المتحدة، انطلاقًا من الحاجة الملحة إلى إنعاش الاقتصاد الإيراني الذي يعاني من تداعيات العقوبات وتراجع الاستثمارات.

ويعكس هذا الانقسام استمرار الجدل داخل دوائر الحكم بشأن أفضل السبل للتعامل مع الضغوط الخارجية، بين من يرى أن التشدد يعزز الموقف التفاوضي، ومن يعتقد أن استمرار التصعيد يهدد استقرار الدولة على المدى الطويل.

تجربة 2015 تعود إلى الواجهة

وتستحضر التطورات الحالية تجربة المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي عام 2015، عندما شهدت إيران انقسامًا مشابهًا بين الإصلاحيين الداعمين للدبلوماسية والمحافظين الرافضين لأي تقارب مع الولايات المتحدة.

إلا أن انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاحقًا من الاتفاق النووي منح التيار المحافظ فرصة لتوجيه انتقادات حادة للإصلاحيين، معتبرًا أن واشنطن لم تلتزم بتعهداتها، وهو ما أسهم في تراجع نفوذ التيار الإصلاحي وترسيخ سيطرة المحافظين على مؤسسات الدولة.

مستقبل غامض

وفي ظل عودة المواجهات العسكرية وتعثر الاتصالات السياسية، تبدو فرص استئناف الحوار بين طهران وواشنطن أكثر هشاشة من أي وقت مضى. وبينما يواصل المتشددون الدفع نحو خيار التصعيد، يبقى مستقبل المفاوضات النووية ومستوى الاستقرار الإقليمي مرهونين بقدرة الطرفين على احتواء التوتر ومنع انزلاق الأزمة إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز حدود الملف النووي لتشمل أمن المنطقة بأكملها.

سموتريتش: اتفاق لبنان يمنح إسرائيل شرعية البقاء بالجنوب

منظومة قيادة بمواصفات المستقبل.. ماذا قالت الصحافة العالمية ع...