وضعت الحكومة المصرية الاستثمار الأجنبي المباشر في صدارة أولوياتها الاقتصادية، باعتباره أحد أهم مصادر توفير النقد الأجنبي، وتعزيز النمو الاقتصادي، وخلق فرص العمل، وزيادة الإنتاج والصادرات. ومع تصاعد الضغوط الاقتصادية العالمية والإقليمية، بدا هذا الملف أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، فشهدت البلاد حزمة واسعة من الإصلاحات التشريعية والإدارية، إلى جانب إطلاق استراتيجيات جديدة تستهدف إعادة رسم خريطة الاستثمار في مصر.
لكن، وبعد مرور أكثر من عامين على بدء هذه التحركات، يفرض الواقع سؤالًا لا يمكن تجاوزه: هل نجحت هذه الإصلاحات بالفعل في جعل مصر وجهة أكثر جذبًا للاستثمار، أم أن التحديات القديمة لا تزال تحد من قدرة الاقتصاد على استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية؟
استراتيجية 2025-2030.. كيف أعادت الحكومة رسم خريطة الاستثمار الأجنبي؟
بدأت الحكومة مرحلة جديدة بإطلاق استراتيجية الاستثمار الأجنبي المباشر 2025-2030، التي تستهدف رفع مساهمة الاستثمار الأجنبي في الاقتصاد، وتحويل مصر إلى مركز إقليمي للاستثمارات الصناعية والتكنولوجية والخضراء.
وركزت الاستراتيجية على جذب الصناعات ذات القيمة المضافة، وربط الاستثمار بالإنتاج والتصدير، وتشجيع نقل التكنولوجيا، مع تحسين بيئة الأعمال من خلال التحول الرقمي، وتبسيط الإجراءات، وتطبيق مبادئ الحياد التنافسي بين القطاعين العام والخاص.
ولم تتوقف الإصلاحات عند وضع استراتيجية جديدة، بل امتدت إلى تعديلات تشريعية على قانون الاستثمار، تضمنت حوافز إضافية للمشروعات كثيفة العمالة، والمشروعات الصغيرة والناشئة، والمناطق الأكثر احتياجًا للتنمية، إلى جانب تفعيل نظام "الشباك الواحد"، وتحديد مدد زمنية لإنهاء الخدمات، ومنح صلاحيات أكبر لمجمع خدمات المستثمرين، بهدف تقليص الدورة البيروقراطية التي طالما اشتكى منها المستثمرون.
كما أعادت الحكومة التوسع في منح الرخصة الذهبية، التي تمنح المستثمر موافقة موحدة تشمل جميع التصاريح اللازمة لإنشاء وتشغيل المشروع، بدلاً من الحصول على عشرات الموافقات من جهات مختلفة، في محاولة لاختصار الوقت والتكلفة.
وفي الوقت نفسه، أطلقت الحكومة الإصدار الثاني من وثيقة سياسة ملكية الدولة (2026-2030)، التي تستهدف إعادة تحديد دور الدولة داخل الاقتصاد، والتوسع في مشاركة القطاع الخاص، واستكمال برنامج الطروحات الحكومية، مع التأكيد على تحقيق المنافسة العادلة بين الشركات الحكومية والخاصة.
وترافق ذلك مع استمرار تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية، الذي يهدف إلى بيع حصص من الشركات المملوكة للدولة لمستثمرين محليين وأجانب، سواء عبر البورصة أو من خلال البيع المباشر، في محاولة لجذب رؤوس أموال جديدة وتوسيع قاعدة الملكية.
هذه الإجراءات عكست بوضوح توجهًا رسميًا نحو منح القطاع الخاص مساحة أكبر داخل الاقتصاد، مع تقديم رسالة للمستثمرين بأن الدولة تسعى إلى خلق بيئة أعمال أكثر تنافسية.
بالأرقام.. نمو 5.3% وتدفقات 47 مليار دولار تعكس نتائج الإصلاحات
تشير البيانات الرسمية إلى تحسن ملحوظ في عدد من المؤشرات الاقتصادية.
فقد سجل الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الأول من العام المالي 2025/2026 معدل نمو بلغ 5.3%، مقارنة بـ3.5% خلال الفترة نفسها من العام السابق.
وكان الاستثمار أحد أهم محركات هذا النمو، بعدما ساهم بنحو 2.45 نقطة مئوية، بينما ارتفعت الاستثمارات الخاصة بنسبة 25.9%، لتستحوذ على نحو 66% من إجمالي الاستثمارات المنفذة، مقابل انخفاض مساهمة الاستثمارات العامة إلى 34%، وهو ما تعتبره الحكومة انعكاسًا لنجاح سياسة تمكين القطاع الخاص.
كما سجلت قطاعات الصناعة التحويلية غير البترولية، والسياحة، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات معدلات نمو مرتفعة بلغت 14.5% و13.8% و14.5% على التوالي، فيما عاد نشاط قناة السويس إلى تسجيل نمو موجب لأول مرة منذ نحو عام ونصف، بعد تراجع آثار اضطرابات البحر الأحمر.
وعلى المستوى الصناعي، أظهرت البيانات توسعًا في عدد من القطاعات الإنتاجية، إذ سجلت صناعة السيارات نموًا تجاوز 50%، بينما ارتفعت صناعة الكيماويات بنحو 44%، والأثاث 34%، والملابس الجاهزة 17%، وهي مؤشرات تعكس زيادة النشاط الصناعي وتحسن القدرة الإنتاجية.
أما على صعيد الاستثمار الأجنبي المباشر، فقد دخلت مصر قائمة أكبر الدول الجاذبة للاستثمار عالميًا، بعدما سجلت تدفقات بلغت نحو 47 مليار دولار، لتحتل المركز الأول عربيًا والتاسع عالميًا، مدفوعة بشكل رئيسي بالصفقات الاستثمارية الكبرى.
كما حافظت الإمارات على موقعها كأكبر مستثمر عربي في مصر باستثمارات بلغت 38.9 مليار دولار خلال العام المالي 2023/2024، تلتها السعودية وقطر والكويت والبحرين، بينما تواصل السعودية تنفيذ استثمارات تتجاوز 25 مليار دولار في أكثر من 2900 مشروع داخل السوق المصرية.
في ظاهر الأمر، تبدو المؤشرات مطمئنة، إلا أن قراءة هذه الأرقام بصورة أعمق تثير تساؤلات حول مدى استدامة هذا النمو، وما إذا كانت التدفقات الاستثمارية تعكس تحسنًا هيكليًا طويل الأجل أم أنها ترتبط بصفقات استثنائية لا تتكرر بصورة دورية.
لماذا لا تزال البيروقراطية تعرقل المستثمرين؟
رغم الإصلاحات، لا تزال شكاوى المستثمرين تتكرر حول عدد من المشكلات التي تؤثر على سرعة اتخاذ قرار الاستثمار.
وتأتي البيروقراطية في مقدمة هذه التحديات، إذ لا تزال بعض الإجراءات المرتبطة بتأسيس الشركات الأجنبية، وتوثيق المستندات، والحصول على الموافقات المختلفة، تستغرق وقتًا أطول مما يتوقعه المستثمر، رغم التحسن الذي شهدته الخدمات الحكومية خلال السنوات الأخيرة.
كما يواجه بعض المستثمرين صعوبات في فتح الحسابات البنكية، واستكمال متطلبات إثبات هيكل الملكية، إضافة إلى تفاوت سرعة إنجاز المعاملات بين الجهات المختلفة، وهو ما يقلل من الأثر الإيجابي للإصلاحات التشريعية.
ويرى مستثمرون أن بيئة الاستثمار لا تزال بحاجة إلى تغيير في الثقافة الإدارية، بحيث يُنظر إلى المستثمر باعتباره شريكًا في التنمية، لا مجرد جهة تخضع لسلسلة طويلة من الإجراءات الاحترازية.
وتشير تقديرات إلى أن بعض الشركات فضلت نقل مقارها الإقليمية إلى أسواق أكثر مرونة، مثل دبي، التي استطاعت بناء منظومة تعتمد على الرقمنة الكاملة وسرعة إصدار التراخيص، وهو ما جعلها أكثر قدرة على المنافسة في جذب الاستثمارات الدولية.
الشركات العالمية تواصل التوسع في مصر؟
في المقابل، تؤكد شركات عالمية استمرار ثقتها في السوق المصرية.
فقد أعلنت مجموعة كوكاكولا هيلينك أن استثماراتها في مصر تجاوزت 1.1 مليار دولار خلال الفترة بين 2022 و2025، مع خطة لضخ 1.28 مليار دولار إضافية حتى عام 2030.
واختارت الشركة القاهرة لإنشاء مركزها الرقمي الإقليمي، مستندة إلى توافر الكفاءات البشرية، وتطور البنية التحتية الرقمية، وقدرة مصر على تقديم خدمات تكنولوجية لأسواق أوروبا وأفريقيا، مع توقعات بزيادة صادرات الخدمات الرقمية خلال السنوات المقبلة.
ويمثل هذا القرار مؤشرًا على أن بعض المستثمرين العالميين لا ينظرون فقط إلى الحوافز الضريبية، بل يضعون في الاعتبار حجم السوق، والموقع الجغرافي، وتوافر العمالة المؤهلة، والبنية التكنولوجية.
خبيرة اقتصادية: 3 عوامل تحسم قرار المستثمر قبل ضخ أمواله
وترى الدكتورة هدى الملاح، الخبيرة الاقتصادية، أن الإصلاحات التي نفذتها الدولة منذ عام 2016 كانت ضرورية لتحسين مناخ الاستثمار، لكنها وحدها لا تكفي لضمان جذب استثمارات مستدامة.
وتوضح أن هذه الإصلاحات أسهمت في تطوير البنية التحتية، وإنشاء الطرق والموانئ، والتوسع في التحول الرقمي، وإصلاح النظام الضريبي، وتطوير المنظومة الجمركية، وإصدار تشريعات أكثر دعمًا للاستثمار، إضافة إلى تطبيق نظام الشباك الواحد، وهي خطوات عززت جاذبية السوق المصرية.
لكنها تؤكد أن المستثمر لا يعتمد في قراره على القوانين وحدها، بل يراقب استقرار السياسات الاقتصادية، وسهولة الحصول على النقد الأجنبي، وإمكانية تحويل الأرباح، واستقرار سعر الصرف، وسرعة استخراج التراخيص.
وتشير إلى أن الرخصة الذهبية ساعدت في اختصار الإجراءات، إلا أن جذب الاستثمار يحتاج إلى استقرار اقتصادي طويل الأجل يمنح المستثمر القدرة على التخطيط لمشروعات تمتد لسنوات.
وتلفت إلى أن المنافسة العادلة بين المستثمرين، ومتابعة المتغيرات الاقتصادية العالمية، مثل أسعار الفائدة والتضخم، أصبحت عوامل لا تقل أهمية عن الحوافز الاستثمارية نفسها.
كما تؤكد أن التوترات الجيوسياسية واضطرابات الاقتصاد العالمي تؤثر بصورة مباشرة على حركة الاستثمار الأجنبي، ما يجعل نجاح أي دولة في جذب الاستثمارات مرتبطًا أيضًا بعوامل خارجية لا يمكن التحكم فيها بالكامل.
وترى الملاح أن استمرار بعض مظاهر البيروقراطية، وارتفاع تكلفة التمويل نتيجة أسعار الفائدة، وتقلبات سعر الصرف، وارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة والنقل، كلها تحديات ما زالت تؤثر في القدرة التنافسية للصناعة المصرية.
وتختتم حديثها بالتأكيد على أن المستثمر يبحث في النهاية عن ثلاثة عناصر رئيسية: الاستقرار، والوضوح، وسهولة ممارسة الأعمال، وأن الحفاظ على هذه العناصر هو الضمان الحقيقي لاستمرار تدفق الاستثمارات.
منافسة إقليمية متصاعدة.. كيف تحافظ مصر على مكانتها في سباق الاستثمار؟
لم تعد مصر تتنافس وحدها على جذب الاستثمار، فالكثير من دول المنطقة تنفذ برامج اقتصادية ضخمة، وتقدم حوافز واسعة، وإجراءات تأسيس سريعة، وتشريعات مستقرة، وبنية رقمية متطورة.
وفي ظل هذه المنافسة، أصبح المستثمر يقارن بين الأسواق في سرعة استخراج التراخيص، واستقرار القوانين، وسهولة تحويل الأرباح، وكفاءة القضاء، ووضوح الإجراءات، قبل أن يقارن بين معدلات الضرائب أو تكلفة الأراضي.
لذلك، فإن الحفاظ على القدرة التنافسية لا يتوقف عند إصدار قوانين جديدة، بل يتطلب متابعة تنفيذها على أرض الواقع، وقياس أثرها بصورة مستمرة، وإزالة أي عقبات تظهر خلال التطبيق.
تكشف الوقائع أن الحكومة المصرية قطعت شوطًا مهمًا في إصلاح بيئة الاستثمار، سواء عبر تحديث التشريعات، أو إطلاق استراتيجية جديدة للاستثمار الأجنبي، أو توسيع دور القطاع الخاص، أو تبسيط الإجراءات، وهو ما انعكس على عدد من المؤشرات الاقتصادية، وعلى زيادة تدفقات الاستثمار خلال الفترة الأخيرة.
لكن في المقابل، تظهر شهادات المستثمرين وآراء الخبراء أن الطريق لم يكتمل بعد. فما زالت البيروقراطية، وتقلبات سعر الصرف، وارتفاع تكلفة التمويل، وبعض التعقيدات الإدارية، عوامل تحد من قدرة السوق المصرية على استغلال كامل إمكاناتها.
وتشير النتائج إلى أن نجاح مصر في جذب استثمارات جديدة لن يقاس فقط بحجم التدفقات التي تحققت خلال عام أو عامين، وإنما بقدرتها على تحويل الإصلاحات الحالية إلى منظومة مستقرة تمنح المستثمر الثقة على المدى الطويل.
فالاستثمار لا يبحث عن الفرص وحدها، بل يبحث أيضًا عن بيئة يمكن التنبؤ بها، وسياسات مستقرة، وإجراءات سريعة، ومنافسة عادلة. وإذا نجحت الدولة في استكمال هذا المسار، فقد تتحول الإصلاحات التي بدأت بالفعل إلى نقطة انطلاق نحو مرحلة أكثر استدامة في جذب الاستثمارات الأجنبية وتحقيق النمو الاقتصادي.
العلاقات المصرية الإماراتية.. شراكة استراتيجية راسخة تعزز الا...
من طاولة التفاوض إلى ساحات المواجهة.. كيف انهارت محادثات واشن...
