في عمق التاريخ الصعيدي، وحيث تتشابك أنساب القبائل لتشكل جدارية من الفروسية والهجرة والمقاومة، تقف قرية "الخضيرات" (التابعة للوحدة المحلية لأولاد نجم القبلية بمركز ومدينة نجع حمادي بمحافظة قنا) كشاهد حي على تحولات سياسية كبرى غيرت وجه الخلافة الإسلامية، وصاغت جغرافيا الصعيد وديمغرافيته.

"الخضيرات" بنجع حمادي.. قصة قرية صعيدية توثق رحلة هروب الأمويين من بطش العباسيين

القرية لم تكن مجرد تجمع سكني عابر، بل تأسست كحلقة في سلسلة طويلة من الهجرة الأموية، امتدت من شواطئ نهر الزاب، مروراً بأرض بني سويف وأسيوط، وصولاً إلى قنا، لتتداخل مصائر مؤسسيها مع السيرة الملحمية لأمير الصعيد "شيخ العرب همام".

رحلة الدم والنبوة: من اليرموك والزاب إلى "زاوية المصلوب"

تعود الجذور الأولى لسكان القرية ومؤسسيها إلى عام 132 هجرية، مع سقوط الدولة الأموية في موقعة "الزَّاب" الشهيرة على يد العباسيين. حيث فرَّ الخليفة مروان بن محمد (آخر خلفاء بني أمية) إلى مصر، ملاحَقاً بجند العباسيين، حتى قُتل في محافظة بني سويف بموضع يُعرف تاريخياً بـ"زاوية المصلوب"، قبل أن يُنقل جثمانه ليدفن في قرية "أبوصير الملق" بمركز الواسطى، حيث يقبع ضريحه حتى يومنا هذا.

مروان بن محمد في "أبوصير الملق".. ومحطة التخفي الأولى بأسيوط تؤسس "بني محمد المراونة"

عقب مقتل الخليفة، تشتتت أسرته وأولاده خوفاً من الملاحقة العباسية؛ فنزح جزء منهم إلى السودان ومنها للحبشة واليمن وعسير (حيث أسسوا إمارة آل عائض لاحقاً)، بينما فضّل الجزء الآخر التخفي في صعيد مصر، وتحديداً في محافظة أسيوط، حيث أسسوا قرية "بني محمد المراونة" (مركز أبنوب) لتكون معقلاً آمناً لهم حمل اسم جدهم الأكبر.

 

1770م: "صالح وحسن" يكتبان السطر الأول في نجع حمادي

في عام 1770 ميلادية، غادر الفارس صالح شعلان خضير، وابن أخيه حسن علي شعلان (من نسل مروان بن محمد) قرية المراونة بأسيوط، متوجهين جنوباً صوب نجع حمادي.
تزامن هذا الارتحال مع فترة اضطراب سياسي كبرى في مصر، تمثلت في النزاع الحاد بين المماليك بقيادة علي بك الكبير، وبين أمير الصعيد وعظيمها شيخ العرب همام بن يوسف، الذي امتد قطاعه ونفوذه من برديس شمالاً وحتى أسوان جنوباً.

فارسان من نسل "آخر خلفاء بني أمية" يدعمان "همام" ضد المماليك.. وـ120 فداناً ببهجورة شاهدة على التحالف التاريخي

 

عندما استولى شيخ العرب همام على أسيوط لجمع الحلفاء، انضم إليه فرسان القبائل العربية لصد زحف المماليك، وكان في طليعتهم الفرسان: صالح شعلان وابن أخيه حسن. وتوثق السجلات التاريخية تحالف "عرب بني محمد" مع "همام"، الذي كافأ الفارسَين بمنحهما أرض إقطاع بلغت مساحتها 120 فداناً في منطقة "بهجورة"، وهي الأراضي المعروفة حالياً بمناطق "المساطب والنبقة" الواقعة على خط السكة الحديد بجوار الكنيسة، ولا تزال العائلات تحتفظ ببعض هذه الأراضي حتى اليوم.
وعقب الهزيمة التراجيدية لشيخ العرب همام نتيجة الخيانة، وموته كمداً في إسنا، تراجع الفارسنان صالح وحسن إلى موقعهما الجديد، واستقرا بالمنطقة التي سُميت باسم جدهما "خضير المرواني الأموي القرشي"، لتُعرف منذ ذلك الحين بقرية "الخضيرات".

التأسيس العمراني: المسجد والديوان نواتان للقرية

وضع المؤسسان اللبنة الأولى للقرية وفق خطة هندسية واجتماعية محكمة؛ حيث استهلا عمارتها ببناء المسجد ليكون مركزاً روحياً، وشيدا أمامه "الديوان" ليكون رمزاً للشورى والترابط القبلي وفض النزاعات، وبجوار الديوان أُقيمت المساكن الأولى.
وبعد استقرار الأوضاع، استقدم الفارسنان أسرتيهما من أسيوط، لتعمير القرية التي تعاقبت عليها الأجيال والأنفاس من الأبناء والأحفاد، لتظل "الخضيرات" حتى يومنا هذا حارسةً للتاريخ، ونابضةً بعراقة النسب الأموي القرشي في قلب صعيد مصر.