يمثل المنزل الملاذ الآمن الذي يقضي فيه الإنسان معظم ساعات يومه، غير أن كثيرًا من حوادث الحرائق والانفجارات والسرقات التي تشهدها المباني السكنية كل عام كان يمكن تفاديها بإجراءات وقائية بسيطة لا تتطلب تكلفة كبيرة. وتزداد أهمية هذا الملف في ظل التوسع العمراني الرأسي وانتشار الشقق داخل أبراج سكنية مكتظة، حيث يتحول أي خلل بسيط في شقة واحدة إلى خطر يهدد المبنى بأكمله. ويستعرض هذا التقرير أبرز محاور السلامة التي ينبغي مراعاتها داخل الشقق، بدءًا من الوقاية من الحرائق، مرورًا بسلامة التمديدات الكهربائية والغازية، وصولًا إلى الأمن الشخصي وتأمين المدخل الرئيسي.

اللواء انتصار منصور: الإهمال والأحمال الكهربائية الزائدة وراء معظم الحرائق.. والوقاية تبدأ من وعي المواطنين

وفي تصريح خاص "خمسة سياسة"، أكد اللواء انتصار منصور، مدير الحماية المدنية بالقاهرة، أن معظم حرائق الشقق السكنية لا تحدث بسبب عوامل معقدة، وإنما نتيجة الإهمال وضعف الوعي بإجراءات السلامة، موضحًا أن كثيرًا من الأسر لا تمتلك الثقافة الكافية للتعامل مع مخاطر الحريق أو أسباب اندلاعه، وهو ما يجعل أخطاءً بسيطة تتحول إلى كوارث قد تودي بحياة أسر كاملة.

وأوضح منصور أن نسبة كبيرة من الحرائق تنشأ بسبب الأحمال الكهربائية الزائدة أو التوصيلات غير المطابقة للمواصفات، مشيرًا إلى أن بعض المواطنين يضيفون أجهزة كهربائية مرتفعة الاستهلاك، مثل أجهزة التكييف، دون التأكد من قدرة الشبكة الكهربائية داخل الشقة على تحمل الأحمال الجديدة، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الأسلاك وحدوث ماس كهربائي قد يمتد إلى الستائر أو الأثاث أو الديكورات الداخلية.

وأضاف أن الحماية المدنية تعاملت مع العديد من الوقائع التي بدأت بسبب فيشة كهربائية أو وصلة تالفة، قبل أن تتحول خلال دقائق إلى حرائق التهمت شققًا بالكامل، مؤكدًا أن هناك حادثًا شهده بنفسه في إحدى الشقق بمدينة نصر، بدأ بماس كهربائي بسيط، لكنه انتهى باحتراق محتويات الشقة بالكامل نتيجة سرعة انتشار النيران والحمل الحراري المرتفع.

وأشار مدير الحماية المدنية إلى أن تسرب الغاز يمثل خطرًا آخر لا يقل خطورة عن الكهرباء، مؤكدًا أن كثيرًا من المواطنين يجهلون قواعد التعامل الآمن مع أسطوانات الغاز أو السخانات، لافتًا إلى أن الغاز الطبيعي في الأصل لا يحمل رائحة، وإنما تُضاف إليه مادة تساعد على اكتشاف أي تسرب قبل وقوع الكارثة.

وأوضح أن بعض الحوادث المأساوية التي تعاملت معها الحماية المدنية انتهت بوفاة أسر كاملة نتيجة الإهمال أو عدم اكتشاف تسرب الغاز في الوقت المناسب، مشددًا على أهمية الفحص الدوري للتوصيلات وإغلاق محابس الغاز بعد الاستخدام وعدم تشغيل أي مفتاح كهربائي عند الاشتباه في وجود تسرب.

وأكد اللواء انتصار منصور أن الوقاية تبدأ من داخل المنزل، داعيًا المواطنين إلى مراجعة الأحمال الكهربائية بصورة دورية، والتأكد من سلامة المقابس والأسلاك، وعدم تشغيل أكثر من جهاز مرتفع الاستهلاك على مصدر كهربائي واحد، إلى جانب متابعة استخدام الأبناء للأجهزة الكهربائية، خاصة شواحن الهواتف والغلايات الكهربائية والأجهزة التي تظل موصلة بالكهرباء لساعات طويلة.

وأضاف أن أخطر ما يواجه رجال الحماية المدنية أثناء الحرائق ليس ألسنة اللهب فقط، وإنما الدخان الكثيف والحمل الحراري، موضحًا أن الدخان يحتوي على غازات سامة، أبرزها أول أكسيد الكربون، الذي قد يؤدي إلى فقدان الوعي والوفاة خلال دقائق، بينما قد تمنع درجات الحرارة المرتفعة المواطنين من مغادرة أماكنهم حتى قبل وصول النيران إليهم.

وشدد على أن نشر ثقافة الوقاية يمثل عنصرًا أساسيًا في الحد من الحرائق، مؤكدًا أهمية البرامج التدريبية التي تنظمها الحماية المدنية للعاملين بالمؤسسات والشركات، لأنها تخلق أفرادًا قادرين على التصرف السليم في اللحظات الأولى للحريق، ونقل هذه الثقافة إلى أسرهم وجيرانهم، بما يسهم في رفع مستوى الوعي المجتمعي.

كما دعا إلى توسيع حملات التوعية داخل المدارس والجامعات وأماكن العمل والأحياء السكنية، مؤكدًا أن التدريب المستمر يساهم في تقليل الخسائر البشرية والمادية، ويجعل المواطن شريكًا حقيقيًا في حماية نفسه ومجتمعه.

وأشار مدير الحماية المدنية إلى أن مسؤولية الوقاية لا تقع على عاتق أجهزة الدولة وحدها، وإنما تتطلب تعاونًا من الجميع، مؤكدًا أهمية الرقابة على الأنشطة والورش الموجودة أسفل العقارات السكنية، والالتزام باشتراطات السلامة، لأن أي مخالفة قد تتحول إلى كارثة تهدد سكان المبنى بالكامل.

وفيما يتعلق بتصرف المواطنين عند اندلاع الحرائق، أوضح اللواء انتصار منصور أن الدقائق الأولى تعد الفاصل الحقيقي بين السيطرة على الحريق أو توسعه، داعيًا إلى سرعة الإبلاغ عن الحريق، والعمل على إنقاذ المصابين وفتح ممرات الحركة أمام سيارات الإطفاء، بدلًا من التجمهر أو الانشغال بتصوير الحادث، وهو ما قد يعطل وصول فرق الإنقاذ ويضاعف حجم الخسائر.

واختتم مدير الحماية المدنية بالقاهرة تصريحه الخاص لـ"خمسة سياسة" بالتأكيد على أن الوقاية تظل دائمًا أقل تكلفة من مواجهة الكوارث، وأن الالتزام بإجراءات السلامة داخل المنازل، والفحص الدوري للكهرباء والغاز، ونشر ثقافة الحماية المدنية بين أفراد المجتمع، تمثل الركائز الأساسية لحماية الأرواح والممتلكات والحد من تكرار الحوادث.