عندما أطلق الحكم صافرة نهاية كأس العالم 2026، لم تنتهِ المنافسة عند حدود المستطيل الأخضر، بل بدأت معركة جديدة بالأرقام، فبينما احتفلت الجماهير بالمنتخب البطل، كانت التقارير الاقتصادية تحاول الإجابة عن سؤال آخر لا يقل أهمية: من خرج بالمكسب الأكبر من البطولة؟ هل هي الولايات المتحدة التي استضافت معظم المباريات، أم الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" الذي يدير أكبر حدث رياضي في العالم؟

فيفا أم أمريكا؟.. من حصد المليارات الحقيقية من كأس العالم 2026؟

لطالما اعتُبر كأس العالم من أكثر البطولات ربحية على مستوى الرياضة، إذ لا تعتمد عوائده على بيع التذاكر فقط، بل تمتد إلى حقوق البث التلفزيوني، والرعاة العالميين، والتسويق، والضيافة، والمنتجات الرسمية، وهي مصادر دخل تدر مليارات الدولارات في كل نسخة.

وكان المستفيد الأول من هذه الإيرادات هو الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، الذي تشير تقديراته إلى أن دورة الإيرادات الخاصة بالفترة من 2023 إلى 2026 تجاوزت 13 مليار دولار، وهو أعلى رقم في تاريخ المؤسسة، بفضل التوسع في عدد المنتخبات إلى 48 منتخبًا، وزيادة عدد المباريات إلى 104، وارتفاع قيمة حقوق البث والرعاية والتسويق.

وتستحوذ "فيفا" على النصيب الأكبر من إيرادات بيع الحقوق التجارية والتلفزيونية، إضافة إلى عقود الرعاية مع الشركات العالمية، بينما تحصل المدن والدول المستضيفة على المكاسب غير المباشرة، مثل تنشيط الاقتصاد المحلي، والسياحة، وارتفاع الإنفاق الاستهلاكي.

في المقابل، لم تكن الولايات المتحدة تحصل على مليارات البطولة بشكل مباشر، لكنها استفادت من حركة اقتصادية ضخمة صاحبت الحدث، فقد سجلت الفنادق نسب إشغال قياسية، وارتفعت إيرادات المطاعم والمتاجر وشركات النقل، كما شهدت المطارات حركة غير مسبوقة مع تدفق ملايين الزوار من مختلف أنحاء العالم.

وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن كأس العالم أضاف أكثر من 17 مليار دولار إلى الناتج المحلي الأمريكي، وولد نشاطًا اقتصاديًا تجاوز 40 مليار دولار، مع توفير أكثر من 185 ألف فرصة عمل في قطاعات متعددة، وهو ما جعل البطولة واحدة من أكبر المحركات الاقتصادية في الولايات المتحدة خلال عام 2026.

لكن هذه الأرقام لا تعني أن كل الأموال ذهبت إلى الخزانة الأمريكية، إذ إن جزءًا كبيرًا من الإيرادات عاد إلى الشركات الخاصة، والقطاع السياحي، والمستثمرين، بينما تحملت الحكومات المحلية والولايات تكاليف الأمن، والنقل، والخدمات العامة، وتجهيز البنية التحتية.

ويرى خبراء الاقتصاد الرياضي أن نجاح الدولة المستضيفة لا يُقاس فقط بحجم الأرباح المباشرة، وإنما بما تتركه البطولة من إرث اقتصادي طويل الأمد، سواء من خلال تطوير البنية التحتية، أو زيادة معدلات السياحة، أو جذب استثمارات جديدة بعد انتهاء الحدث.

وفي المقابل، يخرج الاتحاد الدولي لكرة القدم بأرباح مالية مباشرة تكاد تكون مضمونة، إذ لا يتحمل تكاليف تطوير المدن أو إنشاء البنية التحتية، بينما يحصل على عوائد ضخمة من حقوق البث، والرعاية، والتذاكر، والتسويق، وهو ما يجعل كثيرًا من الخبراء يعتبرون "فيفا" الرابح المالي الأكبر من أي نسخة لكأس العالم.

وبالنظر إلى المشهد الكامل، يمكن القول إن كلا الطرفين خرج مستفيدًا، لكن طبيعة المكاسب تختلف، فـ"فيفا" تجني أرباحًا مالية مباشرة بالمليارات، بينما تحصد الدولة المستضيفة مكاسب اقتصادية وسياحية واستثمارية تمتد آثارها لسنوات، حتى وإن لم تظهر كلها في صورة أموال تدخل خزينة الحكومة.

وهكذا، لم تكن المنافسة في كأس العالم 2026 على اللقب فقط، بل كانت أيضًا منافسة اقتصادية عملاقة أثبتت أن المونديال تحول إلى صناعة عالمية تتجاوز كرة القدم، وتدور فيها مليارات الدولارات بين الاتحادات والشركات والدول المستضيفة.