عندما تتناقض البيانات الرسمية مع الواقع.. فمن يصدق المواطن؟.. في لحظات الأزمات، لا يبحث المواطن عن كثرة البيانات، وإنما يبحث عن معلومة واحدة.. دقيقة. فمع كل زلزال أو حريق أو حادث كبير، تتحول الصفحات الرسمية للجهات الحكومية إلى المصدر الأول الذي ينتظر منه الناس الحقيقة، لأنها لا تتحدث باسم شخص، وإنما باسم الدولة.

بيان رسمي لمحافظة القاهرة ينفي وقوع أضرار لزلزال اليوم 

لكن ماذا يحدث عندما تصدر البيانات الرسمية قبل اكتمال الصورة؟ وماذا تكون النتيجة عندما ينفي بيان حكومي وقوع أي أضرار، بينما تتداول وسائل الإعلام، بل وتصدر تصريحات لمسؤولين محليين، تؤكد وقوع انهيار جزئي لعقار؟.

هذا هو السؤال الذي فرض نفسه بعد الهزة الأرضية التي ضربت مصر فجر الاثنين.

الصفحة الرسمية لمحافظة القاهرة تنفي وقوع خسائر لزلزال اليوم 

فقد أعلنت الصفحة الرسمية لمحافظة القاهرة، في بيان رسمي، أنه "لم ترد أي بلاغات أو تقارير تفيد بوقوع خسائر أو أضرار داخل نطاق المحافظة"، مؤكدة عدم تسجيل انهيارات عقارات أو إصابات، وأن جميع الأجهزة التنفيذية تابعت الموقف فور وقوع الزلزال.

انهيار جزئي لعقار بروض الفرج 

غير أن الساعات نفسها شهدت تداول معلومات وتقارير صحفية عن انهيار جزئي لعقار بمنطقة روض الفرج، بشارع 15 علي الجنايني، المطل على مزلقان النجيلي، مع تأكيدات أولية بعدم وقوع وفيات أو إصابات.

كما نُسبت تصريحات لرئيس حي روض الفرج تفيد بأن الحي تلقى بلاغًا بانهيار العقار في الرابعة صباحًا، أي بعد نحو ساعة من وقوع الزلزال.

وهنا تظهر علامة الاستفهام الكبرى.

إذا كانت المحافظة تؤكد أنها لم تتلق أي بلاغات عن أضرار، بينما تشير تصريحات منسوبة إلى مسؤول تنفيذي داخل المحافظة إلى تلقي بلاغ بانهيار عقار، فأي الروايتين تعبر عن الحقيقة؟ وهل صدر البيان قبل اكتمال أعمال الحصر والمتابعة؟ أم أن هناك خللًا في نقل المعلومات بين الأحياء وغرفة العمليات المركزية؟.

الأمر لا يتعلق بخطأ عابر في بيان صحفي، بل يمس أحد أهم عناصر إدارة الأزمات، وهو المصداقية. فالثقة في البيانات الرسمية تُبنى على الدقة والتحديث المستمر، وليس على سرعة إصدار البيانات.

وفي مثل هذه الوقائع، لا ينتظر المواطن من الجهات الرسمية أن تكون معصومة من الخطأ، لكنه ينتظر منها أن تكون أكثر حرصًا في الصياغة.

كان من الممكن أن يشير البيان إلى أن أعمال الحصر لا تزال جارية، أو أنه "حتى لحظة إصدار البيان لم ترصد الغرفة المركزية أضرارًا"، بدلًا من صياغة قاطعة قد تتعارض لاحقًا مع ما يظهر على أرض الواقع.

إن البيانات الرسمية ليست مجرد منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، بل هي وثائق يعتمد عليها المواطن ووسائل الإعلام، وتؤثر في تشكيل الرأي العام.

وأي تناقض بينها وبين الوقائع أو التصريحات الصادرة من مسؤولين تابعين للجهة نفسها، يفتح الباب أمام التساؤلات، ويضعف الثقة في المصدر الرسمي.

وفي إدارة الأزمات، لا تكون المشكلة في وقوع الخطأ بقدر ما تكون في الإصرار على رواية لا تعكس المستجدات.

فالمعلومات بطبيعتها تتطور، لكن الواجب يقتضي تحديثها أولًا بأول، والاعتراف بأي مستجدات بشفافية، لأن ذلك يعزز الثقة ولا ينتقص منها.

ويبقى السؤال الذي يطرحه المواطن بكل بساطة: عندما تختلف البيانات الرسمية مع ما يراه الناس على الأرض، أو مع ما يعلنه مسؤولون محليون، فمن يصدق؟ وكيف يمكن الحفاظ على ثقة الجمهور إذا لم تكن المعلومة الرسمية هي الأكثر دقة واكتمالًا؟.