تشهد الساحة التشريعية المصرية خلال الأشهر الأخيرة زخماً غير مسبوق حول فكرة تنظيم منصات التواصل الاجتماعي، بعدما تحوّل الملف من نقاش نخبوي محدود إلى قضية رأي عام تتقاطع فيها اعتبارات الأمن القومي وحماية الطفل بمخاوف حقوقية من التضييق على الفضاء الرقمي الأخير المتاح للتعبير الحر. فبين مشروع قانون برلماني أحيل إلى اللجان النوعية في الربيع الماضي، ومبادرة حزبية جديدة أعلن عنها قبل أيام وأثارت تعليقاً لافتاً من رجل الأعمال نجيب ساويرس
مصر تبحث عن معادلة بين حرية التعبير وتنظيم المحتوى الرقمي
تبدو الدولة المصرية أقرب من أي وقت مضى إلى حسم مسار تشريعي جديد يعيد رسم العلاقة بين المواطن والمنصات الرقمية العالمية والمحلية على حد سواء.

مشروع النائب محمد الحداد.. السيادة الرقمية ومنصة وطنية بديلة
يمثل مشروع القانون الذي تقدم به النائب محمد أحمد الحداد، أمين سر لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب، وشاركه فيه ستون نائباً آخرين، حجر الزاوية في هذا المسار التشريعي. وقد أحاله رئيس مجلس النواب المستشار هشام بدوي إلى لجنة مشتركة تضم لجان الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والتضامن الاجتماعي والأسرة وذوي الإعاقة، والشؤون الدستورية والتشريعية، تمهيداً لمناقشته وإعداد تقرير بشأنه.
ويقوم المشروع على أربعة أهداف معلنة: حماية الأمن القومي والنظام العام، وتعزيز السيادة الرقمية للدولة، وصون البيانات الشخصية للمواطنين، وتنظيم عمل منصات التواصل الاجتماعي العاملة داخل مصر. ولعل أبرز ما يميز هذا المشروع هو إلزامه وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بإطلاق منصة تواصل اجتماعي وطنية خلال عام واحد من تاريخ نفاذ القانون، على أن تضم كافة الخصائص الأساسية المتوفرة في المنصات العالمية من إنشاء حسابات وتراسل ومشاركة محتوى وبث مباشر، إلى جانب أدوات خصوصية وأنظمة أمن سيبراني. ويجيز النص تشغيل هذه المنصة عبر شركة وطنية أو تحالف من شركات مصرية، تحت إشراف فني ورقابي من الجهات المختصة.
وفي بُعد آخر لا يقل أهمية، يُلزم المشروع المنصات الأجنبية العاملة في السوق المصرية بفتح مقار رسمية داخل البلاد وتعيين ممثل قانوني خلال ستة أشهر من تاريخ الإخطار، كما يفرض حظراً على اشتراك من هم دون السادسة عشرة من العمر في هذه المنصات. أما العقوبات، فتراوح بين الحبس لمدة تتراوح من ثلاثة إلى ستة أشهر، وغرامة مالية تتراوح بين ثلاثين ومائة ألف جنيه، لكل من يتحايل على أحكام القانون، فضلاً عن سريان العقوبات المنصوص عليها أصلاً في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.
مبادرة حزبية جديدة.. وتعليق ساويرس يشعل النقاش
وفي تطور لاحق، طرح حزب مصري مشروع قانون موازياً لتنظيم منصات التواصل الاجتماعي، وصفه بأنه ثمرة أكثر من 650 ساعة عمل، ويتكون من سبعة أبواب و54 مادة تعالج قضايا متعددة أبرزها التزييف العميق والابتزاز الإلكتروني والقمار الإلكتروني والتشهير والسب والقذف، إلى جانب تنظيم عمل صناع المحتوى الرقمي، وتخصيص باب كامل لحماية الأطفال في البيئة الرقمية. وشدد القائمون على المشروع على أنه لا يمس حرية الرأي والتعبير، بل يقوم على فلسفة وقائية تستهدف حماية المجتمع والطفل قبل وقوع الجريمة، مع الإبقاء على الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور.
هذه المبادرة لم تمر مرور الكرام، إذ علّق عليها رجل الأعمال نجيب ساويرس بالقول إن التواصل الاجتماعي يمثل آخر نوافذ الحرية والتفاهم الباقية، معرباً عن أمله في ألا يترجم التنظيم إلى تدخل أو منع. وقد لاقت هذه التصريحات تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل، لتعكس حجم الحساسية التي يحملها هذا الملف لدى شرائح واسعة من المستخدمين ورجال الأعمال على حد سواء.
الموقف الحكومي.. حماية المجتمع أم تشديد الرقابة؟
من جانبها، دخلت الحكومة على خط النقاش بتصريحات لرئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، الذي أكد أن الدولة تحترم حرية الرأي والتعبير، لكنها ترى أن منصات التواصل الاجتماعي تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى ساحة لممارسات غير مسؤولة تشمل اختلاق الوقائع ونشر الأكاذيب والشائعات، بما يضر بالمجتمع ويؤثر في مسيرة الاقتصاد الوطني. وأوضح أن الحكومة تدرس الاستفادة من تجارب دولية وضعت أطراً تنظيمية للتعامل مع هذه المنصات، بما يحقق - على حد تعبيره - حماية السلم والأمن المجتمعي والأخلاقيات العامة وسمعة الأفراد والأسر.
وتشمل المقترحات الحكومية المطروحة مراجعة التشريعات القائمة، وتغليظ العقوبات المالية، وتعزيز حملات التوعية الرقمية، إلى جانب وضع آليات للتعامل مع إساءة استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والحسابات المزيفة. كما يُلزم التصور الحكومي المنصات الرقمية العاملة في مصر بتعيين ممثل قانوني دائم لتلقي الإخطارات والتعاون مع الجهات المختصة بشأن المخالفات الجسيمة، استناداً - بحسب القائمين عليه - إلى تجارب تشريعية دولية من بينها تشريعات الاتحاد الأوروبي والإمارات، مع تكييفها بما يتناسب مع طبيعة المجتمع المصري.
قراءة حقوقية.. تحول في فلسفة إدارة الملف الرقمي
يرى عدد من الحقوقيين والمتابعين أن هذا الزخم التشريعي يعكس تحولاً لافتاً في فلسفة تعامل الدولة مع الفضاء الرقمي، بعد سنوات طويلة اعتمدت خلالها الحكومة بشكل رئيسي على إصدار بيانات دورية لنفي الأخبار غير الصحيحة عبر المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، إلى جانب ملاحقة بعض أصحاب الرأي بموجب قوانين قائمة كقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات. وبحسب هذه القراءة، فإن الانتقال من أسلوب "النفي والملاحقة" إلى تشريع منظم وشامل قد يحمل في طياته فرصة لوضع قواعد واضحة تحكم العلاقة بين المستخدم والمنصة والدولة، لكنه يحمل في الوقت ذاته مخاطر توسيع صلاحيات الرقابة إذا لم تُحصّن النصوص القانونية بضمانات كافية لحرية الرأي والتعبير.
ويستحضر كثيرون في هذا السياق تجربة عام 2018، حين أقر البرلمان المصري قانوناً أتاح للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام متابعة أي حساب شخصي أو مدونة يتجاوز عدد متابعيها خمسة آلاف متابع، مع صلاحية حجب الحسابات في حال نشرها أخباراً كاذبة أو محتوى يحرض على العنف أو الكراهية. وقد أثار ذلك القانون حينها جدلاً واسعاً حول حدود الفصل بين مكافحة التضليل وضبط حرية التعبير، وهو الجدل ذاته الذي يتجدد اليوم مع كل مشروع قانون جديد يُطرح في هذا الملف.

توازن دقيق بين الضبط والحرية
تكشف قراءة المسارات التشريعية المتوازية - مشروع النائب محمد الحداد، والمبادرة الحزبية الجديدة، والتوجهات الحكومية المعلنة - عن توافق واسع بين مختلف الأطراف على ضرورة وجود إطار قانوني يحكم عمل منصات التواصل الاجتماعي في مصر، سواء لأغراض حماية الأمن القومي والبيانات الشخصية، أو لمواجهة ظواهر مستحدثة مثل التزييف العميق والابتزاز الإلكتروني وسوء استخدام الذكاء الاصطناعي. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة النصوص بقدر ما يكمن في تطبيقها؛ فالفارق بين قانون يحمي المجتمع ويحفظ حقوق مستخدمي المنصات، وآخر يفتح الباب أمام رقابة موسعة على المحتوى والرأي، غالباً ما يُحسم في التفاصيل التنفيذية والضمانات القضائية أكثر مما يُحسم في الديباجات المعلنة.
ومع استمرار مناقشة هذه المشروعات داخل اللجان النيابية، يبقى السؤال الأهم مطروحاً على الطاولة: هل ستنجح مصر في صياغة تشريع يوازن بين متطلبات الضبط الرقمي وصون الفضاء الإلكتروني كمساحة حرة نسبياً للتعبير والتفاعل المجتمعي، أم أن التجربة ستكرر إشكاليات القوانين السابقة التي اتُّهمت بتوسيع صلاحيات الرقابة على حساب الحريات؟ الإجابة، على الأرجح، لن تتضح إلا بعد استقرار النص النهائي وبدء تطبيقه على أرض الواقع.
