أعادت الكوارث الطبيعة، وفي مقدمتها الزلازل، ملف الاستعداد لمواجهة الأزمات إلى الواجهة، بعدما استيقظت مصر فجر الاثنين على هزة أرضية قوية بلغت شدتها نحو 5.6 درجة على مقياس ريختر، ضربت منطقة خليج السويس على عمق عشرة كيلومترات، وامتد الشعور بها إلى القاهرة الكبرى وعدد من المحافظات، بل وصل أثرها إلى فلسطين والأردن ولبنان وقبرص، في واحدة من أقوى الهزات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. وبينما أكدت الجهات الرسمية عدم وقوع خسائر بشرية تُذكر باستثناء إصابة واحدة وانهيار جزئي لعقار في القاهرة

الكوارث الطبيعية تفرض مراجعة خطط الاستعداد والإنذار المبكر

 أعاد الحدث فتح ملف قديم متجدد: إلى أي مدى تملك الدولة المصرية اليوم منظومة قادرة على إدارة الكوارث الطبيعية بكفاءة، بعد أكثر من ثلاثة عقود على زلزال أكتوبر 1992 الذي لا يزال حاضراً في الذاكرة الجمعية للمصريين؟

تفاصيل الهزة وأول الاستجابات الرسمية

بحسب بيان المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، وقعت الهزة في تمام الساعة الثالثة وأربع وثلاثين دقيقة فجراً، على بعد 38 كيلومتراً من مدينة السويس، ويرجع المعهد سببها إلى النشاط التكتوني وحركة الصدوع النشطة في منطقة خليج السويس. وقدّر المركز الأوروبي المتوسطي لرصد الزلازل أن نحو 66 مليون شخص كانوا ضمن النطاق الذي شعر بالهزة، محذراً في الوقت ذاته من احتمال حدوث هزات ارتدادية خلال الساعات والأيام التالية، وهو ما تحقق بالفعل إذ سجلت الشبكة القومية للزلازل ما يقارب 300 هزة ارتدادية تلت الحدث الرئيسي.

وعلى الفور، أعلنت وزارة الصحة والسكان تفعيل خطة الطوارئ الصحية، ووجه وزير الصحة خالد عبد الغفار بانعقاد غرفة الأزمات والطوارئ المركزية في ديوان عام الوزارة بالعاصمة الإدارية الجديدة، وربطها بغرف الطوارئ في مديريات الشؤون الصحية بالمحافظات لضمان متابعة لحظية على مدار الساعة. كما رفعت الوزارة درجة الاستعداد القصوى في أقسام الطوارئ والرعاية الحرجة بجميع المستشفيات على مستوى الجمهورية، مع التأكد من جاهزية هيئة الإسعاف وفرق الانتشار السريع، وتوافر مخزون كافٍ من الأدوية والمستلزمات الطبية وأكياس الدم والأكسجين. من جانبها، أكدت محافظة القاهرة عدم وقوع خسائر تُذكر داخل نطاقها، فيما أفاد الهلال الأحمر المصري بعدم تسجيل بلاغات عن خسائر بشرية أو أضرار جسيمة حتى وقت متأخر من صباح الحدث.

بين خطاب الطمأنة البرلماني وتقييم الخبراء

سارع عدد من أعضاء مجلس النواب إلى الإشادة بسرعة استجابة أجهزة الدولة، إذ رأى أحد النواب أن تعامل الحكومة مع تداعيات الهزة يعكس كفاءة منظومة إدارة الأزمات والطوارئ، مشدداً على أن استمرار تطوير إدارات الأزمات في الوزارات والمحافظات، إلى جانب منظومة الإنذار المبكر والتنبؤ، يمثل أولوية لا ينبغي التهاون فيها رغم الأداء الجيد الذي ظهر هذه المرة.

وفي قراءة أكثر تفصيلاً، ذهب بعض الخبراء الاقتصاديين إلى وصف زلزال الاثنين بأنه بمثابة اختبار عملي كشف الفارق بين جاهزية الدولة اليوم وما كانت عليه إبان زلزال 12 أكتوبر 1992. ووفق هذا الطرح، فإن المقارنة بين الحدثين هي في جوهرها مقارنة بين فلسفتين لإدارة المخاطر: الأولى كانت تتلقى الصدمة العمرانية والمؤسسية بعد وقوعها، بينما الثانية تسعى إلى بناء شبكات حماية متكاملة قبل حدوث الأزمة، تبدأ من كود بناء سليم، وتمتد إلى تخطيط عمراني آمن وطرق مفتوحة ومنظومة طوارئ قادرة على الاستجابة السريعة.

كود البناء المصري.. الدرس المستفاد من 1992

يمثل كود البناء المصري أحد أهم الأدوات التي استندت إليها الدولة لتعزيز مقاومة المنشآت للزلازل، وقد جرى تحديثه بعد زلزال 1992 الذي خلّف أضراراً جسيمة وأدى إلى انهيار عدد من المباني آنذاك. وبحسب متخصصين في هندسة الزلازل، تعاونت جهات علمية معنية، من بينها المعهد القومي للبحوث الفلكية ومعهد بحوث الإسكان والبناء، على تطوير معايير هذا الكود بشكل مستمر على مدار العقدين الماضيين، بما يشمل معايير حساب الأحمال الزلزالية وتأثيرها على المنشآت الخرسانية.

غير أن هذا التقدم لا يخلو من تحديات حقيقية، إذ يشير رئيس المعهد القومي لبحوث الإسكان والبناء إلى أن مواجهة زلزال بقوة كبيرة تتطلب تكلفة مادية باهظة يصعب تحملها في جميع المباني القائمة، خصوصاً القديمة منها التي شُيدت قبل اعتماد الكود الحديث. كما يلفت إلى أن مدينة الإسكندرية، بما تحمله من كثافة عمرانية وأبنية قديمة، قد تواجه أزمة حقيقية إذا ما تعرضت لزلزال قوي، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال جوهري حول مدى شمول جهود التحديث لكل مناطق الجمهورية وليس فقط المشروعات الجديدة والعاصمة الإدارية.

البنية التحتية الجديدة وأثرها على تخفيف المخاطر

من زاوية أخرى، يربط عدد من المتابعين بين مشروعات البنية التحتية الحديثة التي نفذتها الدولة خلال السنوات الأخيرة وبين تحسّن قدرتها على مواجهة الكوارث الطبيعية، مشيرين إلى أن هذه المشروعات لم تقتصر على الطرق والكباري، بل امتدت إلى إنشاء وحدات سكنية ومرافق عامة تستوفي شروط كود البناء المصري وتراعي التخطيط العلمي لمواجهة المخاطر المحتملة. كما يُنظر إلى جاهزية القطاع السياحي والمطارات في التعامل مع تداعيات الهزة باعتبارها مؤشراً إضافياً على استقرار منظومة إدارة الأزمات، بما يعزز - بحسب هذا الطرح - صورة مصر كوجهة آمنة قادرة على التعامل مع الطوارئ.

لكن هذا التفاؤل يقابله تذكير من الدليل الاسترشادي الصادر عن المعهد القومي للبحوث الفلكية بأن مناطق واسعة من البلاد لا تزال معرضة لمخاطر زلزالية متفاوتة الشدة، وعلى رأسها منطقة شرق البحر المتوسط التي تؤثر على مدن الساحل الشمالي ورشيد والإسكندرية ودمياط وأجزاء من الدلتا ونهر النيل، والتي شهدت عام 1955 زلزالاً بقوة 6.8 درجة أسفر عن مقتل 22 شخصاً، إضافة إلى منطقة أخدود البحر الأحمر وخليجي العقبة والسويس التي يتسم نشاطها الزلزالي بتكرارية عالية، ومنطقة دهشور جنوب غرب القاهرة التي شهدت زلزالاً بقوة 5.8 درجة عام 1992.

جاهزية مؤسسية متقدمة وتحديات عمرانية لم تُحسم بعد

تكشف تفاصيل التعامل مع زلزال الثالث من أغسطس عن تطور ملموس في آليات الاستجابة السريعة لدى الدولة المصرية، سواء من حيث سرعة تفعيل خطط الطوارئ الصحية، أو التنسيق بين غرف الأزمات المركزية والمحلية، أو التواصل الإعلامي السريع لطمأنة الرأي العام. هذا التطور المؤسسي، بلا شك، يمثل تحولاً حقيقياً عن الأداء الذي شهدته البلاد في أزمات مماثلة قبل عقود.

غير أن الجاهزية المؤسسية شيء، والجاهزية العمرانية الشاملة شيء آخر؛ فتحديث كود البناء وتطوير مشروعات البنية التحتية الجديدة لا يحل تلقائياً مشكلة الرصيد العقاري القديم في المدن الكبرى، وعلى رأسها الإسكندرية، والذي شُيّد قبل عقود من دون التزام كافٍ بمعايير مقاومة الزلازل. كما أن استمرار النشاط الزلزالي في أكثر من منطقة حساسة - من الساحل الشمالي إلى خليج السويس ودهشور - يفرض على الدولة الانتقال من إدارة الأزمة لحظة وقوعها إلى استثمار طويل المدى في تقييم وتقوية المباني القائمة، وتحديث منظومات الإنذار المبكر، وهو ما أشار إليه عدد من النواب أنفسهم كأولوية لم تُستكمل بعد. فالاختبار الحقيقي لجاهزية مصر لن يكون في هزة معتدلة لم تخلف خسائر تُذكر، بل في قدرتها على الصمود أمام سيناريو أكثر شدة، وهو ما يبقي هذا الملف مفتوحاً أمام مزيد من المتابعة والتقييم.