مع اقتراب انطلاق العام الدراسي الجديد 2026-2027 في منتصف سبتمبر المقبل، تعود إلى الواجهة أزمة متجددة تلاحق الأسرة المصرية عامًا بعد عام: الدروس الخصوصية. فقبل أن يفتح أي طالب كتابه المدرسي، تكون مراكز الدروس ومجموعات "السناتر" قد بدأت استقبال الطلاب فعليًا منذ أسابيع، وكأن العام الدراسي الحقيقي لا يبدأ من فصول المدارس، بل من غرف الدروس الخاصة. ورغم تكرار القرارات الوزارية "العاجلة" لمكافحة هذه الظاهرة في مطلع كل عام دراسي جديد، يبدو أن المعركة بين المدرسة والدرس الخصوصي لا تزال محسومة لصالح الأخير. فهل تحوّلت الدروس الخصوصية من خيار إلى ضرورة لا مفر منها؟ وأين تكمن نقطة الانكسار بين وعود الإصلاح وواقع الأسر؟

الدروس خصوصية تستنزف ميزانية الأسر عامًا بعد عام
تكشف شهادات أولياء الأمور عن حجم الضغط المالي المتزايد الذي تفرضه الدروس الخصوصية على ميزانية الأسرة المصرية، في ظل ارتفاع أسعارها بنسب وصلت إلى 20% مع بداية كل عام دراسي جديد. فسعر الحصة الواحدة في المرحلتين الابتدائية والإعدادية قد يصل إلى 40 جنيهًا للطالب الواحد، وهو رقم يتضاعف بسرعة في الأسر التي لديها أكثر من طالب في مراحل تعليمية مختلفة، حيث تصل فاتورة الدروس الأسبوعية لجميع المواد إلى نحو ألف جنيه لدى بعض الأسر، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف الحد الأدنى للأجور الأسبوعي في بعض الحالات. وأمام هذا الواقع، يجد كثير من أولياء الأمور أنفسهم مضطرين لتقليص بنود أساسية أخرى في ميزانية الأسرة لتغطية تكلفة الدروس، بوصفها "استثمارًا" لا يمكن التنازل عنه في مستقبل أبنائهم التعليمي.

قرارات وزارية متكررة.. ونتائج محدودة
لم تكن هذه الأزمة غائبة عن اهتمام وزارة التربية والتعليم، التي دأبت في السنوات الأخيرة على إصدار حزمة من القرارات "العاجلة" عند بداية كل عام دراسي لمواجهة ظاهرة الدروس الخصوصية، شملت مطالبة المديريات التعليمية ببذل كل الجهود الممكنة لمحاربتها، واتخاذ إجراءات قانونية بحق المعلمين المتغيبين عن حصصهم المدرسية أو غير الملتزمين بالجدول الدراسي، إلى جانب حظر تحصيل أي مبالغ مالية من الطلاب داخل المدرسة تحت أي مسمى، والإحالة الفورية للمساءلة القانونية لمن يخالف ذلك. كما لجأت الوزارة إلى حلول بديلة مثل تنظيم "مجموعات تقوية" رسمية داخل المدارس للطلاب في الشهادتين الإعدادية والثانوية، مقابل أجر مجزٍ لمعلميها، في محاولة لاستيعاب الطلب على الدعم التعليمي الإضافي داخل المنظومة الرسمية بدلًا من تركه للسوق الموازية.
غير أن تكرار هذه القرارات ذاتها، بصياغات متشابهة تقريبًا، في مطلع كل عام دراسي منذ سنوات، يثير تساؤلات حول مدى فاعليتها على أرض الواقع، خاصة أن ظاهرة الدروس الخصوصية لم تتراجع بل استمرت في التوسع، وهو ما يعكس فجوة بين القرار الإداري وقدرته على تغيير سلوك راسخ لدى ملايين الأسر والمعلمين على حد سواء.
المنصات الإلكترونية.. حل واعد لم يكتمل بعد
في إطار محاولات الوزارة لتقديم بديل حقيقي، جرى الإعلان عن تطوير منصة تعليمية شاملة تدمج مختلف المنصات الإلكترونية التابعة للوزارة، بهدف توفير محتوى تعليمي متكامل يغني الطلاب عن الدروس الخصوصية، ويخفف العبء المالي والنفسي عن الأسر. وقد جرى التأكيد على أن الاشتراك في هذه المنصة سيكون اختياريًا للطلاب، وهو ما يطرح إشكالية مبدئية: فحين يظل اللجوء إلى الدرس الخصوصي أمرًا اختياريًا في مواجهة منظومة تعليمية لا تزال تعاني من اكتظاظ الفصول ومحدودية الوقت المخصص لكل طالب داخل الحصة، تبقى كفة الدروس الخصوصية هي الأرجح لدى أولياء الأمور الباحثين عن ضمانات أسرع وأكثر تحديدًا لتحصيل أبنائهم.
أزمة بنيوية لا تُحل بالقرارات الموسمية
تكشف قراءة متأنية للمشهد أن الدروس الخصوصية في مصر لم تعد مجرد اختيار فردي يمكن مواجهته بقرارات إدارية موسمية تتكرر مع بداية كل عام دراسي، بل تحولت إلى منظومة موازية متجذرة، تغذيها عوامل مركبة تبدأ من اكتظاظ الفصول وضعف الأجور التي تدفع بعض المعلمين للبحث عن مصادر دخل إضافية، ولا تنتهي عند ثقافة مجتمعية ترى في الدرس الخصوصي ضمانة لا غنى عنها للنجاح والتفوق. وما لم تترافق الجهود الرقابية مع إصلاح حقيقي وشامل لمنظومة الأجور وكثافة الفصول وجودة المحتوى التعليمي داخل المدرسة نفسها، فستظل "الدروس الخصوصية" هي المدرسة الحقيقية التي يبدأ فيها العام الدراسي كل عام، بينما تبقى المدرسة الرسمية مجرد محطة عبور شكلية على طريق الشهادة.
