تفرض الطفرة الرقمية المتسارعة التي تشهدها مصر تساؤلات متزايدة حول قدرة البنية التحتية للاتصالات على مواكبة هذا النمو، فبين مؤشرات رسمية تتحدث كل شهر عن ملايين المشتركين الجدد في خدمات الإنترنت، وبين بيانات اعتذار متكررة من شركات الاتصالات عن "عطل فني" هنا أو "أعمال صيانة" هناك، يبرز سؤال جوهري لم يعد يحتمل التأجيل: هل لا تزال البنية التحتية للاتصالات في مصر، وفي قلبها السنترالات التي تُعد قلب الشبكة النابض، قادرة على استيعاب هذا التوسع؟ أم أن الفجوة بين معدلات النمو في الاستخدام وسرعة تطوير البنية التحتية بدأت تتحول إلى أزمة بنيوية تتجلى بين الحين والآخر في صورة أعطال وانقطاعات تطال ملايين المستخدمين؟
البنية الرقمية في اختبار مستمر.. هل تواكب السنترالات الزيادة المتسارعة في استخدام الإنترنت؟
لا يمكن مقاربة هذا الملف دون التوقف عند الحادثة الأكثر دلالة في تاريخ البنية التحتية للاتصالات المصرية الحديثة: حريق سنترال رمسيس، الذي اندلع في يوليو 2025 داخل غرفة أجهزة بالطابق السابع من المبنى التاريخي الذي افتُتح عام 1927. فقد أسفر الحريق، الذي استمر نحو 13 ساعة قبل السيطرة عليه، عن وفاة 4 موظفين تابعين للشركة المصرية للاتصالات وإصابة العشرات، مع تقديرات أولية للخسائر المادية بعشرات ملايين الجنيهات. والأهم من ذلك أن الحريق أتلف كابلات رئيسية وسيرفرات حيوية في مبنى يُمرر ما يقرب من 40% من إجمالي حركة الاتصالات المحلية والدولية في مصر، ويُعد العقدة المحورية التي تربط شبكة القاهرة الكبرى بشبكات الأقاليم المختلفة.
الأخطر من الحريق نفسه كان ما تلاه: فبحسب متابعات لملف الأزمة، استغرقت استعادة خدمات أساسية كالإسعاف والبنوك أكثر من 24 ساعة كاملة، فيما تجدد اشتعال النيران في المبنى مرات لاحقة بسبب بقاء جيوب من النار تحت الرماد وتسريبات كهربائية ناتجة عن مياه الإطفاء، ما كشف - بحسب مراقبين - عن ضعف في جاهزية المبنى للتعامل مع طوارئ من هذا الحجم رغم مكانته المحورية في الشبكة القومية.
وإلى جانب هذه الواقعة الكبرى، تكرر خلال الأشهر الماضية نمط أخف حدة لكنه أكثر تواترًا من الأعطال: انقطاعات جزئية في خدمة الإنترنت طالت عدة محافظات دفعة واحدة بسبب "عطل تقني أصاب أحد أجهزة الشبكة الرئيسية"، وشكاوى واسعة من عملاء عن بطء وانقطاع الخدمة عقب أعمال "تحديث للأنظمة"، وأعطال في السيرفرات أثرت تحديدًا على محافظات بعينها كالمنيا وسوهاج والمنوفية، وصولًا إلى بيانات رسمية متكررة من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات تنفي وجود "أعطال عامة" كلما تصاعدت شكاوى المستخدمين على منصات التواصل الاجتماعي. هذا التكرار، حتى في غياب كارثة بحجم حريق رمسيس، يرسم صورة لشبكة تعمل قريبًا من حدود طاقتها الاستيعابية في نقاط تحول محورية معينة، بحيث يتحول أي خلل فني محدود إلى أزمة خدمية واسعة النطاق.
تأثيرها على الإنترنت والخدمات.. حين يتوقف السنترال يتوقف كل شيء
الدرس الأبرز الذي كشفه حريق سنترال رمسيس هو مدى الترابط بين البنية التحتية للاتصالات وبقية القطاعات الحيوية في الدولة، فتعطل سنترال واحد، ولو كان استثنائي الأهمية، لم يقتصر أثره على تعطيل مكالمات هاتفية أو تصفح مواقع، بل امتد إلى:
- الخدمات المصرفية والمالية: تعطل بعض عمليات البنوك ونقاط البيع الإلكترونية المرتبطة بشبكات الاتصال المتضررة، وهو ما يعكس اعتماد المنظومة المصرفية الحديثة شبه الكامل على استمرارية الاتصال الرقمي.
- خدمات الطوارئ والإسعاف: الإشارة الصريحة إلى تأخر استعادة خدمات الإسعاف لأكثر من 24 ساعة تكشف أن أعطال البنية التحتية للاتصالات لم تعد "إزعاجًا رقميًّا" بل قد تمس خدمات ذات صلة مباشرة بحياة الناس.
- الأعمال التجارية والشركات الناشئة: مع تنامي الاقتصاد الرقمي وتوسع خدمات التجارة الإلكترونية التي بلغ عدد متسوقيها في مصر نحو 29.8 مليون مستخدم، فإن أي انقطاع في الشبكة يعني توقفًا فعليًّا لدورة تجارية كاملة خلال فترة الانقطاع.
- التعليم والعمل عن بُعد: بلغ عدد مستخدمي تطبيقات الاجتماعات الرقمية كـ"زووم" و"تيمز" في مصر نحو 6.5 مليون مستخدم يوميًّا بمعدل 159.5 مليون ساعة اجتماعات، وهو استخدام يتوقف بالكامل مع أي انقطاع في الشبكة المغذية للمنطقة المتأثرة.
هذا الترابط العميق بين البنية التحتية للاتصالات وبقية مناحي الحياة اليومية والاقتصادية يجعل من أي هشاشة في السنترالات الرئيسية قنبلة موقوتة، إذ لم يعد الحديث عن "قطع إنترنت" حديثًا هامشيًّا، بل عن نقطة فشل واحدة (Single Point of Failure) يمكن أن تُشلّ قطاعات متعددة دفعة واحدة، كما ظهر جليًّا في أزمة رمسيس.
الطفرة الرقمية.. أرقام تفوق سرعة تطوير البنية التحتية؟
المفارقة الأساسية التي يطرحها هذا الملف تكمن في وتيرة النمو الرقمي المتسارعة في مصر مقارنة بوتيرة تحديث البنية التحتية المادية التي تحملها. فبحسب أحدث مؤشرات الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات:
- بلغ عدد مستخدمي إنترنت الهاتف المحمول في مصر نحو 96.3 مليون مستخدم بنهاية مايو 2026، بزيادة سنوية تجاوزت 8.9 مليون مستخدم جديد، أي بمعدل نمو سنوي يفوق 10%.
- ارتفعت اشتراكات الإنترنت الثابت عريض النطاق إلى نحو 13 مليون اشتراك، بمعدل نمو سنوي بلغ 9%.
- سجلت أنماط استخدام بعينها معدلات نمو صادمة خلال عام واحد فقط: 67% في بث المحتوى الترفيهي عبر منصات مثل Netflix، و29% في استخدام تطبيقات الخرائط، و60% في استهلاك المحتوى الترفيهي بشكل عام.
- تجاوز عدد مستخدمي متصفحات الإنترنت في مصر 65.6 مليون مستخدم، بإجمالي يفوق 187 مليار عملية تصفح يوميًّا.
هذه المعدلات تعني عمليًّا أن حجم البيانات المارة يوميًّا عبر الشبكة القومية للاتصالات يتضاعف باستمرار، بينما تظل عقد التجميع الرئيسية - وعلى رأسها سنترالات تاريخية كسنترال رمسيس الذي بُني قبل قرن من الزمن بمنطق ومعايير مختلفة تمامًا عن عصر البيانات الضخمة والبث الرقمي - تتحمل عبئًا تشغيليًّا يفوق أضعافًا مضاعفة ما صُممت من أجله أصلًا، حتى مع ما أُدخل عليها من تحديثات تقنية متعاقبة.
هل الأزمة في المركبات (المعدات) أم في غياب معايير السلامة والصيانة؟
يمكن قراءة إشكالية السنترالات المصرية من زاويتين متكاملتين لا متنافستين:
من زاوية العتاد والبنية المادية، تعاني بعض السنترالات الرئيسية، وأبرزها رمسيس، من كونها مبانٍ قديمة العمر تحوي بنية تحتية مادية (أسلاك، عزل كهربائي، أنظمة تبريد) لم تُصمم أصلًا لتحمل الأحمال الحالية للبيانات، حتى وإن أُدخلت عليها تحديثات تقنية داخلية متكررة، ما يجعلها عرضة لمخاطر مثل الحرائق الكهربائية الناتجة عن الحمل الزائد.
ومن زاوية معايير السلامة والصيانة والطوارئ، كشفت وقائع ما بعد حريق رمسيس عن ثغرات في جاهزية الاستجابة للطوارئ داخل منشآت الاتصالات الحيوية، من غياب خطة إخلاء وتبريد فعالة منعت تجدد الاشتعال لعدة أيام، إلى غياب آلية معلنة وواضحة للتحول الفوري إلى سنترالات بديلة بأقل قدر من التعطل الزمني، رغم أن الجهات الرسمية أكدت لاحقًا نقل الخدمات إلى سنترالات بديلة كجزء من إجراءات الاستجابة.
بعبارة أخرى، لا يمكن حصر الأزمة في عامل واحد: فالمعدات والمباني القديمة تمثل نقطة ضعف حقيقية، لكن غياب بروتوكولات صيانة وقائية دورية صارمة، وخطط طوارئ واضحة ومُختبرة لضمان استمرارية الخدمة عند فشل أي عقدة رئيسية، هو ما يحوّل عطلًا فنيًّا محدودًا إلى أزمة قومية تشل خدمات حيوية لساعات أو أيام.
نحو بنية تحتية تواكب الطفرة الرقمية
في ضوء ما سبق، تبرز عدة اتجاهات ضرورية لسد الفجوة بين النمو الرقمي المتسارع وقدرة البنية التحتية على استيعابه:
- تسريع برامج تحديث السنترالات القديمة تقنيًّا وماديًّا، مع إعطاء أولوية للعقد المحورية التي تُمرر نسبة كبيرة من حركة البيانات القومية، على غرار سنترال رمسيس.
- تعزيز التكرار الجغرافي (Redundancy) للشبكة، بحيث لا يعتمد أي إقليم على عقدة تجميع واحدة، بل تتوفر مسارات بديلة تلقائية تتيح استمرار الخدمة بأقل قدر من التعطل عند تعطل أي عقدة رئيسية.
- تحديث معايير السلامة داخل منشآت الاتصالات الحيوية، بما يشمل أنظمة إنذار وإطفاء أكثر تطورًا، وخطط طوارئ مُختبرة دوريًّا لا نظرية فقط.
- ربط خطط التوسع في مشتركي الإنترنت بخطط استثمارية موازية في الطاقة الاستيعابية للبنية التحتية، بدلًا من قياس نجاح القطاع الرقمي بعدد المستخدمين الجدد فقط دون النظر إلى مدى تحمل الشبكة لهذا النمو.
- نشر تقارير أداء دورية وشفافة حول معدلات الأعطال وأوقات استعادة الخدمة، بما يتيح تقييمًا موضوعيًّا لمدى تحسن جاهزية الشبكة بمرور الوقت، بدلًا من الاكتفاء ببيانات نفي متفرقة عقب كل موجة شكاوى.
الأرقام لا تكذب: مصر تشهد بالفعل طفرة رقمية حقيقية بمعدلات نمو تتجاوز 10% سنويًّا في عدد مستخدمي الإنترنت، وتوسعًا متسارعًا في الاعتماد على الخدمات الرقمية بمختلف تطبيقاتها. لكن حريق سنترال رمسيس، وما تلاه من أعطال متفرقة أقل حدة لكنها متكررة، يكشفان أن هذه الطفرة تسير أسرع من قدرة بعض العقد المحورية في الشبكة على استيعابها بأمان. المسألة إذن ليست في المعدات وحدها ولا في السلامة وحدها، بل في المعادلة الكاملة بينهما: بنية تحتية يعود بعضها لعقود مضت، تحمل اليوم أضعاف ما صُممت له، دون أن يواكبها بالضرورة استثمار مواز في الصيانة الوقائية والتكرار الجغرافي وخطط الطوارئ. وطالما ظلت هذه الفجوة قائمة، ستبقى السنترالات المصرية، مهما تطورت الخدمات فوقها، نقطة ضعف يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى أزمة قومية تطال ملايين المستخدمين دفعة واحدة.
