مع كل صيف يتكرر المشهد ذاته على امتداد الساحل المصري؛ ملايين المصطافين يفدون إلى الشواطئ هربًا من قيظ النهار، بينما تتحول موجات البحر، في لحظة غفلة أو تجاهل لتحذير، إلى قاتل صامت ينتزع أرواحًا في لحظات معدودة. هذا العام لم يخرج عن القاعدة، إذ تزامنت موجات الحر الاستثنائية التي ضربت البلاد مع تصاعد وتيرة حوادث الغرق على عدد من شواطئ الوجه البحري، في وقت تحاول فيه الأجهزة المعنية تثبيت منظومة إنقاذ أكثر صرامة توازن بين حق المواطن في الاستجمام وضرورة حماية حياته.
قبة حرارية تدفع المصطافين إلى البحر
تعيش مصر ذروة موجة شديدة الحرارة مع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، إذ سجلت مناطق جنوب الصعيد درجات وصلت إلى 46 درجة مئوية، وسط تحذيرات متكررة من الهيئة العامة للأرصاد الجوية من "قبة حرارية" تخيم على البلاد. ومع مطلع الأسبوع الجاري، حذّرت الهيئة من استقبال موجة جديدة شديدة الحرارة مع استمرار الأجواء الحارة الرطبة على أغلب الأنحاء نهارًا، فيما توقعت أن تستمر الأجواء شديدة الحرارة والرطبة نهارًا حتى الخميس المقبل، مع طقس مائل للحرارة والرطوبة ليلًا.
هذا الارتفاع القياسي في درجات الحرارة يدفع بأعداد أكبر من المواطنين نحو الشواطئ يوميًا، وهو ما يضاعف من الضغط على منظومة الإنقاذ ويزيد من احتمالات المخالفة، خصوصًا في أوقات الذروة حين يتزاحم المصطافون في مساحات ضيقة من المياه، وقد لا يلتزم كثير منهم بألوان الرايات أو بتعليمات رجال الإنقاذ سعيًا وراء لحظة انتعاش سريعة من القيظ.
حوادث متكررة تكشف حجم الخطر
على الرغم من الجهود الرسمية، لم يخل هذا الصيف من مآسٍ متفرقة على طول الساحل. ففي الإسكندرية، لقي شاب في الثامنة عشرة من عمره مصرعه غرقًا في شاطئ البيطاش بعدما شارك في إنقاذ ستة أشخاص نزلوا إلى البحر رغم رفع الراية الحمراء وحظر السباحة، في واقعة أعادت إلى الأذهان حجم التضحيات التي يقدمها رجال الإنقاذ ومن يبادر لمساعدتهم من المواطنين.
وفي محافظة الدقهلية، شهد مصيف جمصة حالتي وفاة وإصابة شخصين آخرين إثر تعرضهم للغرق بسبب ارتفاع الأمواج وسوء حالة البحر. أما في مرسى مطروح، فقد لقي شخص مصرعه غرقًا أثناء السباحة في شاطئ عجيبة، في حادث جديد أضيف إلى وقائع الغرق المتكررة التي تشهدها شواطئ المدينة خلال موسم الصيف، علمًا بأن هذا الشاطئ من أشهر شواطئ مرسى مطروح وأكثرها جذبًا للمصطافين لطبيعته الخلابة، رغم ما يشهده بين الحين والآخر من حوادث غرق نتيجة ارتفاع الأمواج وقوة التيارات المائية.
هذه الحوادث المتفرقة، وإن بدت محدودة العدد مقارنة بحجم الإقبال على الشواطئ، تكشف عن نمط متكرر: غالبية الضحايا يسقطون في مناطق غير مخصصة للسباحة، أو في أوقات ترتفع فيها الأمواج وتشتد التيارات، وأحيانًا أثناء محاولات إنقاذ عفوية يقوم بها مواطنون غير مدربين فيتحول المُنقِذ نفسه إلى ضحية.
الإسكندرية نموذجًا.. منظومة إنقاذ تحاصر الظاهرة
في المقابل، تقدّم محافظة الإسكندرية، بوصفها الوجهة الصيفية الأولى للمصريين، نموذجًا لمحاولة ضبط الظاهرة عبر منظومة متكاملة. فبحسب تصريحات مسؤولي الإدارة المركزية للسياحة والمصايف، يبلغ عدد الشواطئ في المحافظة 68 شاطئًا، منها 43 شاطئًا مطروحًا ومستغلًا بالفعل، بينما يجري طرح 25 شاطئًا آخر. وتحرص الإدارة على تطبيق ما يعرف بـ"الكود المصري للإنقاذ"، بتوجيه مباشر من القيادة السياسية ورئاسة مجلس الوزراء، بحيث لا يُسمح لأي منقذ بالعمل دون حصوله على تدريب وتأهيل كامل من الاتحاد المصري للغوص والإنقاذ وشهادة معتمدة.
ووفقًا لتقارير رسمية، فإن صيف 2026 يُعد من أقل المواسم تسجيلًا لحالات الغرق في الإسكندرية، إذ لم تُسجَّل الشواطئ التابعة للإدارة المركزية للسياحة والمصايف أي حالات غرق فعلية حتى الآن، بينما لم تتجاوز الحالات المحدودة التي وقعت أصابع اليد الواحدة، وجميعها حدثت في مناطق غير مخصصة للسباحة أو خارج نطاق الشواطئ التابعة للمحافظة. هذا التراجع يأتي استكمالًا لمسار بدأ يتضح منذ العام الماضي، حين تراجعت نسب الغرق بنحو 70% وفقًا لبيانات الإدارة المركزية للسياحة والمصايف، بفضل جهود رجال الإنقاذ البحري الذين وصفهم تقرير صحفي بأنهم يقفون كخط الدفاع الفاصل بين الحياة والموت، في مهنة لا تخلو من المخاطر.
ومن أبرز الإجراءات التي تبنّتها المحافظة إعادة هندسة بعض الشواطئ الممتدة التي يصعب ضبطها؛ إذ جرى تقسيم شاطئ النخيل، الذي كان يمتد نحو 1600 متر، إلى ثلاثة شواطئ مستقلة، كما ساهمت الحواجز التي أُقيمت هناك بشكل واضح في تقليل حالات الغرق خلال الموسم الماضي. وفي السياق ذاته، تواصل الإدارة المركزية التأكيد على أهمية التزام المواطنين والزائرين بألوان الرايات المرفوعة، وعدم النزول إلى البحر عند رفع الراية الحمراء، مع اتباع تعليمات رجال الإنقاذ حفاظًا على الأرواح.
أرقام العام الماضي.. تذكير بحجم التحدي
رغم التحسن النسبي هذا الموسم، تبقى أرقام العام الماضي شاهدة على حجم التحدي الذي لا تزال السلطات تصارعه؛ إذ سجّلت الإسكندرية وحدها 38 حالة وفاة غرقًا خلال عام 2025، في وقت تلقّت فيه إدارة السياحة والمصايف بالمحافظة 1757 بلاغًا عبر صفحات التواصل الاجتماعي والبوابة الإلكترونية خلال الموسم الماضي، وقامت بتوقيع غرامات على مستأجري الشواطئ المخالفة لشروط التعاقد بقيمة تجاوزت تسعة ملايين جنيه. هذه الأرقام تفسر إصرار المحافظة على تشديد الرقابة هذا العام، وتوسيع نطاق الحملات التفتيشية اليومية على الشواطئ للتأكد من التزامها باشتراطات السلامة.
تحديات مهنة الإنقاذ.. البطولة وحدها لا تكفي
لكن نجاح المنظومة لا يمكن فصله عن أوضاع من يقفون خلفها؛ فرجال الإنقاذ البحري، رغم الدور المحوري الذي يؤدونه، يواجهون بحسب شهادات ميدانية جملة من التحديات المهنية، أبرزها ضعف الرواتب وتكليفهم أحيانًا بمهام خدمية بعيدة عن طبيعة عملهم الأساسي، إضافة إلى غياب كيان قانوني منظم لمهنتهم. ويطالب عدد من المنقذين بتطبيق الحد الأدنى للأجور وضبط أوضاع العاملين بالمهنة، وبتشديد الرقابة على التزام الفنادق والقرى السياحية بتوفير منقذين مؤهلين ومعتمدين، باعتبار أن أي تراخٍ في هذا الملف قد ينسف الجهود التي تحققت على مستوى خفض معدلات الغرق.
يبقى الشاطئ في الصيف المصري مساحة متناقضة بامتياز؛ متنفَّس شعبي يقصده الملايين هربًا من قسوة الحر، ومسرح خطر يحصد كل عام أرواحًا لم تحسب حساب الأمواج أو تجاهلت تحذير الراية الحمراء. وبينما تنجح تجارب مثل الإسكندرية في إثبات أن الانضباط المؤسسي والاستثمار في تأهيل رجال الإنقاذ قادران على قلب المعادلة وخفض حصيلة الغرق بشكل ملموس، تظل الحوادث المتفرقة التي تتكرر من البيطاش إلى جمصة ومطروح تذكيرًا بأن معركة السلامة على الشواطئ لم تُحسم بعد، وأن استدامة هذا النجاح تتطلب توسيع المنظومة إلى كل شواطئ الجمهورية، وربط تحسين أوضاع رجال الإنقاذ بأي خطة مستقبلية لحماية حياة المصطافين.
