تتجه الحكومة المصرية إلى تفعيل أداة مالية جديدة تستهدف تخفيف أعباء الاقتراض وخفض تكلفة خدمة الدين، عبر إصدار شهادات أو «صكوك ضريبية» ممولة من دافعي الضرائب، يمكن استخدامها في سداد الالتزامات الضريبية المستقبلية، وذلك بعد موافقة الرئيس عبد الفتاح السيسي على المقترح.

وجاءت الخطوة خلال اجتماع عقده الرئيس السيسي في مدينة العلمين الجديدة مع رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي ووزير المالية أحمد كجوك، لمراجعة تطورات الأداء الاقتصادي والمالي، ومستجدات الإصلاح الضريبي وخطط الحكومة للتعامل مع احتياجات التمويل خلال الفترة المقبلة.

وبحسب ما أوردته صحيفة «ديلي نيوز إيجيبت» (Daily News Egypt)، فإن الاجتماع تناول كذلك استراتيجية الدولة للتحوط من تقلبات أسعار النفط العالمية خلال العامين الماليين 2025/2026 و2026/2027، إلى جانب الإجراءات الرامية إلى تبسيط منظومة الضرائب العقارية وتطوير الخدمات الرقمية المقدمة للممولين.

أداة جديدة لتمويل الدولة

وتتمثل الفكرة الأساسية للصكوك الضريبية في أن تقوم الشركات الخاضعة للضريبة بشراء شهادات تصدرها وزارة المالية، على أن تستخدم لاحقاً في تسوية التزاماتها الضريبية. وتحصل هذه الشهادات، وفق التصور الحكومي، على عائد ثابت ومعفى من الضرائب طوال فترة الاحتفاظ بها.

ونقلت EnterpriseAM عن مسؤول حكومي رفيع المستوى أن وزارة المالية ستحدد العائد على كل إصدار وفقاً لظروف السوق، مع مراعاة سعر الائتمان وسعر الخصم لدى البنك المركزي المصري.

وبذلك تصبح الأداة الجديدة وسيلة تسمح للشركات باستثمار جزء من السيولة المتاحة لديها في أداة مرتبطة بالدولة، وفي الوقت نفسه استخدامها مستقبلاً لسداد الضرائب المستحقة عليها.

ويرى هاني جنينة، رئيس قسم البحوث في الأهلي فاروس، أن الشركات ستتعامل مع هذه الشهادات باعتبارها بديلاً محتملاً لاستثمار أموالها في أذون وسندات الخزانة، خصوصاً في ظل امتلاك عدد من الشركات المصرية مستويات مرتفعة من السيولة النقدية.

ميزة مزدوجة لدافعي الضرائب

ولا تقتصر الفائدة المتوقعة من الأداة الجديدة على الحكومة وحدها، إذ يمكن أن تحقق للشركات مزايا مالية وضريبية في الوقت نفسه.

وبحسب المصدر الحكومي الذي تحدث إلى EnterpriseAM، ستُعامل المبالغ المدفوعة لشراء الصكوك باعتبارها دفعات مقدمة تجاه الالتزامات الضريبية المستقبلية، وهو ما يتيح للممول تجنب غرامات التأخير التي قد تترتب لاحقاً، فضلاً عن حصوله على عائد معفى من الضرائب.

وتراهن الحكومة بذلك على جذب جزء من السيولة المتراكمة لدى الشركات بعيداً عن أدوات الاستثمار الأخرى، وتحويلها إلى مصدر تمويل أكثر استقراراً للاحتياجات الحكومية.

تفعيل نص قانوني قائم منذ 2005

وتكتسب الخطوة أهمية خاصة من الناحية التشريعية، إذ لا تحتاج، وفقاً للمعلومات التي نقلتها EnterpriseAM، إلى إصدار قانون جديد.

وأوضح المسؤول الحكومي أن الآلية موجودة بالفعل ضمن قانون ضريبة الدخل منذ عام 2005، لكنها ظلت غير مفعلة طوال السنوات الماضية. ومن المنتظر أن يجري تفعيلها للمرة الأولى من خلال الصلاحيات الممنوحة لوزير المالية في إصدار الشهادات وتحديد العائد والإعفاءات المرتبطة بها.

ويعني ذلك أن الحكومة تستطيع المضي في الأداة الجديدة ضمن الإطار التشريعي القائم، بدلاً من انتظار تشريع جديد قد يستغرق وقتاً أطول.

ضغط كبير من فاتورة الدين

وتأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه المالية العامة المصرية ضغوطاً كبيرة نتيجة ارتفاع احتياجات التمويل وتكلفة خدمة الدين.

ووفق البيانات التي أوردتها EnterpriseAM، تخطط وزارة المالية لإصدار أدوات دين سيادية جديدة بنحو 3.4 تريليون جنيه مصري خلال السنة المالية الحالية، في حين تقدر الفجوة التمويلية بنحو 4 تريليونات جنيه.

وتستحوذ مدفوعات الفائدة على نسبة تتراوح بين 70 و80% من الإيرادات الضريبية، وهو ما يفسر سعي الحكومة إلى تنويع مصادر التمويل والبحث عن أدوات يمكن أن تخفض تكلفة الاقتراض أو تمنحها مرونة أكبر في إدارة احتياجاتها التمويلية.

وكانت وزارة المالية قد أصدرت نحو 1.4 تريليون جنيه من أدوات الدين المختلفة خلال الأسابيع الستة الأولى من السنة المالية الحالية، بزيادة تقارب 200 مليار جنيه مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفق بيانات الوزارة التي اطلعت عليها EnterpriseAM.

الشركات تتحول إلى مصدر تمويل أكثر استقراراً

ويأتي الاعتماد على الشركات المحلية في إطار تغيرات طرأت على هيكل سوق التمويل المصري.

وبحسب تحليل هاني جنينة الذي نقلته EnterpriseAM، تراكمت لدى الشركات المصرية سيولة نقدية كبيرة خلال العامين الماضيين، في الوقت الذي قلص فيه البنك المركزي المصري حضوره في سوق التمويل المباشر، بينما أصبحت مشاركة المستثمرين الأجانب في سوق أذون وسندات الخزانة أكثر تذبذباً بفعل التقلبات الإقليمية.

ومن ثم، ترى الحكومة أن الشركات المحلية صاحبة الفوائض النقدية يمكن أن تمثل قاعدة تمويل أكثر استقراراً، حتى إذا لم تؤد الأداة الجديدة بالضرورة إلى خفض كبير في سعر الفائدة مقارنة بأدوات الدين التقليدية.

ويشير جنينة إلى أن قيمة الصكوك لا تكمن فقط في خفض التكلفة، وإنما أيضاً في تنويع مصادر التمويل وإتاحة قناة إضافية أمام الدولة لتأمين احتياجاتها المالية.

حزمة ثالثة من التيسيرات الضريبية

وفي الإطار نفسه، وجه الرئيس السيسي الحكومة بإعداد حزمة ثالثة من إجراءات التيسير والإعفاءات الضريبية، بعد دخول القوانين الخاصة بالحزمة الثانية حيز التنفيذ عقب التصديق عليها.

وتهدف الإصلاحات إلى تبسيط الإجراءات الضريبية، وتقليل الأعباء الإدارية على الشركات، وتحسين بيئة الاستثمار، إلى جانب توسيع القاعدة الضريبية من خلال إجراءات أكثر بساطة واعتماداً على الأنظمة الإلكترونية.

وأكد السيسي ضرورة استمرار تحديث المنظومة الضريبية وتحسين الخدمات المقدمة للممولين والمستثمرين، مع العمل على تقديم حوافز إضافية تشجع النشاط الاقتصادي والاستثماري.

نمو اقتصادي وتحسن في مؤشرات المالية العامة

وخلال الاجتماع، عرض وزير المالية أحمد كجوك النتائج المالية الأولية للعام المالي 2025/2026، مشيراً إلى أن الاقتصاد المصري سجل نمواً حقيقياً بنسبة 5.2% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام.

وأوضح أن هذا الأداء جاء مدفوعاً بتحسن عدد من المؤشرات الاقتصادية والمالية، إلى جانب انخفاض الدين الخارجي لكيانات قطاع الموازنة، وتحسن الإيرادات غير الضريبية، وتوسيع القاعدة الضريبية، فضلاً عن تحسن أداء سوق رأس المال المصرية.

كما أشار الوزير إلى انخفاض تكلفة التأمين على الديون السيادية المصرية ضد مخاطر التعثر، إلى جانب تراجع عوائد السندات الحكومية، وهي مؤشرات تعكس، بحسب الطرح الحكومي، تحسناً في نظرة الأسواق إلى الاقتصاد المصري وقدرته على إدارة التزاماته المالية.

وبحسب ما أوردته Daily News Egypt، فقد تمكنت الحكومة خلال العامين الماضيين من خفض ديون كيانات القطاع المالي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بنحو 13.2 نقطة مئوية، مع استهداف مواصلة خفض النسبة خلال الفترة المقبلة لإيجاد مساحة مالية أكبر لدعم المواطنين والمستثمرين.

رقمنة الضرائب العقارية

وشهد الاجتماع أيضاً استعراض خطة لتطوير منظومة الضرائب العقارية وتسهيل تعاملات المواطنين والممولين معها.

وقال كجوك إن الحكومة تستعد لإطلاق تطبيق للهواتف المحمولة مخصص لخدمات الضرائب العقارية، في حين يُتوقع إطلاق منصة رقمية مماثلة خاصة بضرائب معاملات العقارات خلال أيام.

وتأتي هذه الخطوة ضمن توجه أوسع لرقمنة الإدارة الضريبية، وتقليل التعاملات الورقية، وتسهيل إجراءات التسجيل والسداد، بما يمكن أن يساهم في رفع كفاءة التحصيل وتوسيع قاعدة الممولين.

دعم الصناعة والطاقة الشمسية

كما ناقش الاجتماع عدداً من المبادرات المقترحة لدعم الشركات الصناعية، من بينها مساعدتها على التحول إلى استخدام الطاقة الشمسية، إلى جانب تعزيز مشروعات تحويل المخلفات الصلبة إلى وقود بديل.

وتعكس هذه المبادرات محاولة لربط السياسة المالية والصناعية بأهداف خفض تكلفة الطاقة وتحسين كفاءة الإنتاج، خصوصاً بالنسبة للقطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة.

السيسي يوجه بتشديد الرقابة على مشروعات الساحل

وفي ملف منفصل، وجه الرئيس السيسي بتشكيل لجنة حكومية فورية لتفقد مشروعات التطوير السياحي المقامة على امتداد الساحل المصري، والتأكد من ضمان حق الجمهور في الوصول إلى الشواطئ.

وشدد الرئيس على عدم السماح بإقامة مبانٍ أو أعمال إنشائية في نطاق 200 متر من الشاطئ من دون الحصول على الموافقات الحكومية المسبقة من الجهات المختصة.

كما وجه بإجراء عمليات تفتيش على المشروعات العقارية في مختلف أنحاء الجمهورية، للتأكد من التزام المطورين بمواعيد تسليم الوحدات، وتنفيذ الالتزامات التعاقدية، واستكمال أعمال البنية التحتية اللازمة.

وأكد السيسي ضرورة التعامل مع أي مخالفات من خلال المساءلة القانونية، في رسالة تستهدف تعزيز الرقابة على القطاع العقاري وحماية حقوق المشترين.

بين خفض الدين وتوسيع قاعدة التمويل

وتكشف القرارات والتوجيهات التي خرج بها الاجتماع عن مسارين متوازيين في السياسة الاقتصادية المصرية: الأول يتمثل في البحث عن أدوات تمويل جديدة تقلل الضغط على الموازنة وتنوع مصادر الاقتراض، والثاني يركز على إصلاح المنظومة الضريبية وتسهيل التعامل معها بهدف زيادة الإيرادات دون تحميل الشركات أعباء إدارية إضافية.

ومن المنتظر أن يكون تفعيل الصكوك الضريبية اختباراً جديداً لقدرة الحكومة على جذب السيولة المحلية إلى أدوات تمويل طويلة الأجل، خصوصاً في ظل ارتفاع احتياجات الدولة التمويلية.

وفي حال نجاح التجربة، قد لا تتوقف الأداة عند الالتزامات الضريبية، إذ أفاد مسؤول حكومي، وفق EnterpriseAM، بأن وزارة المالية تدرس مستحقات مستقبلية أخرى يمكن طرحها من خلال هياكل مالية مماثلة.

وبذلك، تسعى الحكومة المصرية إلى تحويل جزء من الالتزامات المستقبلية إلى أدوات مالية قابلة للإدارة، بما يتيح لها مساحة أوسع للتحرك في مواجهة فاتورة الدين المرتفعة، مع منح الشركات في المقابل أداة استثمارية يمكن استخدامها لتسوية التزاماتها الضريبية مستقبلاً.

الصليب الأحمر: الوضع الإنساني في غزة لا يزال كارثيًا رغم وقف...

اليابان تدعو لاستئناف المرور الآمن عبر مضيق هرمز