أسطوانات الهيليوم.. بالونات للفرح تتحول إلى قنابل موقوتة.. كارثة دمياط تتكرر في التجمع

من احتفالات وبالونات تزين المناسبات إلى مشهد من النيران والضحايا.. أسطوانات الهيليوم تعود إلى الواجهة بعد تكرار حوادث انفجارها داخل المراكز التجارية، لتطرح تساؤلات خطيرة حول مخاطر التعامل معها واشتراطات تخزينها واستخدامها، ومدى الالتزام بإجراءات السلامة داخل الأماكن التي تشهد وجود أعداد كبيرة من المواطنين.

أسطوانات الهيليوم 

لم تعد أسطوانة الهيليوم مجرد وسيلة لملء البالونات المستخدمة في الدعاية أو الاحتفالات، بعدما ارتبط اسمها خلال الفترة الأخيرة بحوادث مروعة داخل مراكز تجارية.

وبينما كانت كارثة حريق أحد المراكز التجارية الكبرى بمدينة دمياط الجديدة خلال عيد الفطر، والتي أسفرت عن مصرع 3 أشخاص وإصابة 32 آخرين، لا تزال عالقة في الأذهان، شهد مول أرابيلا بلازا بالتجمع اليوم واقعة جديدة، إثر انفجار أسطوانة هيليوم داخل أحد المحال، بحسب التحريات الأولية.

من دمياط إلى التجمع.. سيناريو يتكرر

في واقعة دمياط الجديدة، اندلع حريق هائل داخل أحد المراكز التجارية الكبرى عقب انفجار أسطوانة غاز «هيليوم» أثناء استخدامها في ملء بالونات مخصصة للدعاية والإعلان.

وبحسب التفاصيل المتاحة عن الحادث، أدت قوة الانفجار إلى اندلاع النيران وانتشارها داخل أجزاء من المركز التجاري، وسط حالة من الذعر بين المتواجدين، قبل أن تتدخل قوات الحماية المدنية وتتمكن من السيطرة على الحريق وإخلاء المول وفرض كردون أمني حول المكان.

وأسفر الحادث عن وفاة 3 أشخاص وإصابة 32 آخرين، فيما دفعت هيئة الإسعاف بـ16 سيارة إلى موقع الحريق، وتم نقل المصابين إلى المستشفيات لتلقي العلاج، وغادر عدد منهم بعد تحسن حالتهم الصحية.

وبعد أسابيع، عاد السيناريو بصورة مشابهة داخل مول أرابيلا بلازا بالتجمع، حيث كشفت التحريات الأولية أن حريقًا اندلع داخل أحد المحال عقب انفجار أسطوانة هيليوم، ما أسفر عن مصرع شخصين وإصابة 10 آخرين، بينهم حالتان في وضع صحي خطير، وفق المعلومات الأولية عن الواقعة.

وتلقت غرفة عمليات النجدة بمديرية أمن القاهرة بلاغًا بوقوع انفجار داخل المول، وعلى الفور انتقلت قوات الحماية المدنية وسيارات الإسعاف إلى موقع الحادث، وتم التعامل مع الحريق ونقل المصابين إلى المستشفى.

لماذا قد تتحول أسطوانة الهيليوم إلى مصدر خطر؟

الهيليوم في حد ذاته غاز خامل وغير قابل للاشتعال، ولذلك فإن وصف الحادث بأنه «انفجار هيليوم» لا يعني بالضرورة أن الغاز نفسه اشتعل.

لكن الخطورة الكبرى ترتبط بالأسطوانة باعتبارها وعاءً مضغوطًا؛ إذ يمكن أن يؤدي سوء الاستخدام أو التخزين أو تعرض الأسطوانة لحرارة شديدة أو تلفها إلى ارتفاع الضغط داخلها أو فشل الوعاء، وهو ما قد يحولها إلى مصدر شديد الخطورة.

كما أن الحريق الذي يعقب حادث الأسطوانة قد لا يكون ناتجًا عن الهيليوم نفسه، وإنما عن مواد قابلة للاشتعال موجودة بالمكان أو مصادر كهرباء أو غازات ومواد أخرى، بينما قد تتسبب الأسطوانة المضغوطة في زيادة خطورة المشهد إذا تعرضت لحرارة شديدة.

وهنا تكمن المفارقة: غاز لا يشتعل، لكن أسطوانة تحتويه تحت ضغط مرتفع يمكن أن تصبح خطرة للغاية إذا أسيء التعامل معها.

الخطر الأكبر.. الحرارة وسوء التخزين

تحتاج أسطوانات الغازات المضغوطة إلى التعامل معها باعتبارها معدات ذات خطورة خاصة، وليس مجرد أدوات تستخدم في تجهيز البالونات.

ومن أبرز عوامل الخطر:

- تعرض الأسطوانة لدرجات حرارة مرتفعة أو اللهب المباشر.

- تخزينها في أماكن سيئة التهوية أو غير مخصصة لذلك.

- سقوط الأسطوانة أو اصطدامها بعنف، بما قد يؤدي إلى تلفها.

- استخدام أسطوانات أو صمامات أو منظمات ضغط غير مناسبة.

- التعامل معها بواسطة أشخاص غير مدربين.

- عدم تثبيت الأسطوانة بصورة تمنع سقوطها أو انقلابها.

- وجودها بالقرب من مصادر الحرارة أو مخارج الطوارئ وممرات الجمهور.

- استخدام معدات تالفة أو توصيلات غير مطابقة لمواصفات السلامة.

- تخزين كميات كبيرة من الأسطوانات داخل محال صغيرة أو أماكن مغلقة دون تقييم مخاطر مناسب.

كيف نتفادى تكرار الكارثة؟

السلامة تبدأ قبل استخدام الأسطوانة، وليس بعد وقوع الحادث. ويجب أن يكون التعامل مع الغازات المضغوطة وفق اشتراطات السلامة المعتمدة، وعلى أيدي أشخاص لديهم التدريب اللازم.

ومن أهم إجراءات الوقاية:

أولًا: التخزين الآمن

يجب تخزين الأسطوانات في أماكن مناسبة، جيدة التهوية، بعيدًا عن مصادر الحرارة واللهب وأشعة الشمس المباشرة، مع تثبيتها بشكل يمنع سقوطها.

ثانيًا: الفحص قبل الاستخدام

يجب التأكد من سلامة جسم الأسطوانة والصمام والمنظم والتوصيلات، وعدم استخدام أي أسطوانة تظهر عليها علامات تلف أو تآكل أو تسريب.

ثالثًا: منع العبث

لا ينبغي السماح للجمهور أو العاملين غير المدربين بالتعامل مع الأسطوانات أو صماماتها.

رابعًا: إبعادها عن مصادر الخطر

وجود أسطوانة غاز مضغوط داخل محل مزدحم أو بالقرب من معدات كهربائية ومصادر حرارة يحتاج إلى تقييم دقيق للمخاطر واتباع اشتراطات الحماية المدنية.

خامسًا: الاستعداد للطوارئ

يجب أن تكون مخارج الطوارئ واضحة وغير محجوبة، وأن تتوافر وسائل الإطفاء المناسبة، مع تدريب العاملين على الإخلاء والتعامل الأولي مع الحوادث.

البالونات ليست المشكلة.. طريقة التعامل هي القضية

استخدام الهيليوم في البالونات أمر شائع في المناسبات والفعاليات والدعاية، لكن شيوع الاستخدام لا يعني أن الأسطوانة نفسها خالية من المخاطر.

فالخطر الحقيقي يبدأ عندما يتم التعامل مع أسطوانة غاز مضغوط دون الالتزام بقواعد التخزين والنقل والتشغيل، أو عندما توضع داخل مكان مزدحم دون مراعاة طبيعة الموقع وعدد الموجودين به.

وتكشف واقعتا دمياط الجديدة والتجمع عن أهمية التعامل مع أسطوانات الغازات المضغوطة باعتبارها أحد مصادر المخاطر التي تستوجب إجراءات وقائية صارمة، خصوصًا داخل المولات والمراكز التجارية التي تضم أعدادًا كبيرة من المواطنين.

وفي انتظار ما تسفر عنه التحقيقات والفحوص الفنية في كل واقعة، تبقى الرسالة الأهم واضحة: ما يبدو أداة بسيطة لصناعة البهجة قد يتحول إلى مأساة إذا غابت قواعد السلامة.

فالوقاية هنا لا تبدأ عند اندلاع الحريق.. وإنما تبدأ من لحظة دخول الأسطوانة إلى المكان.