يمثل افتتاح سد ومحطة «جوليوس نيريري» الكهرومائية في تنزانيا، الذي نفذه تحالف مصري يضم شركتي «المقاولون العرب» و«السويدي إليكتريك»، محطة بارزة في مسيرة الشركات المصرية داخل القارة الإفريقية، خاصة في ظل ضخامة المشروع الذي تبلغ تكلفته نحو 2.9 مليار دولار، ويستهدف توليد 2115 ميجاوات من الكهرباء.
ويجسد المشروع قدرة الشركات المصرية على تنفيذ المشروعات الكبرى في مجالات الطاقة والبنية التحتية خارج السوق المحلية، بما يعزز حضورها في الأسواق الإفريقية ويفتح المجال أمامها للمنافسة على مشروعات جديدة في دول القارة.
سد ومحطة كهرومائية على نهر روفيجي
يقام مشروع «جوليوس نيريري» على نهر روفيجي في منطقة موروجورو بتنزانيا، ويتضمن سدًا رئيسيًا يبلغ طوله نحو 1025 مترًا، وارتفاعه نحو 131 مترًا، فيما تصل السعة التخزينية للخزان إلى نحو 34 مليار متر مكعب من المياه.
ويضم المشروع كذلك محطة لتوليد الكهرباء والمنشآت المرتبطة بها، بما يجعله واحدًا من المشروعات الكبرى في قطاع الطاقة داخل تنزانيا، ويمنحه أهمية كبيرة في خطط الدولة لزيادة قدراتها على توليد الكهرباء ودعم احتياجات التنمية خلال السنوات المقبلة.
مكاسب اقتصادية للشركات المصرية
ولا تقتصر أهمية المشروع بالنسبة لمصر على تنفيذ منشأة هندسية ضخمة في دولة إفريقية، وإنما يمثل نجاح التحالف المصري في تنفيذ المشروع شهادة عملية على قدرة الشركات المصرية على المنافسة في مشروعات البنية التحتية والطاقة الكبرى على المستوى الدولي.
ومن شأن هذه التجربة أن تعزز فرص الشركات المصرية في الحصول على مشروعات جديدة داخل القارة الإفريقية، خاصة في ظل الخبرات التي اكتسبتها الكوادر المصرية خلال مراحل تنفيذ المشروع، والتي يمكن توظيفها في مشروعات مستقبلية بمجالات الطاقة والسدود والبنية التحتية.
وأكد المهندس أحمد السويدي أن افتتاح سد «جوليوس نيريري» يجسد ريادة الشركات الهندسية المصرية، مشيرًا إلى أن المشروع يمثل نموذجًا لمشروعات الطاقة المستدامة التي تدعم خطط التصنيع والنمو الاقتصادي في تنزانيا.
كما أشار إلى أهمية مواصلة نقل الخبرات والاستثمارات التنموية إلى دول القارة الإفريقية، بما يعزز التعاون الاقتصادي والفني ويدعم فرص الشركات المصرية في التوسع بالأسواق الخارجية.
هل يحصل المصريون على كهرباء من سد جوليوس نيريري؟
وعلى عكس ما قد يعتقد البعض، فإن الكهرباء التي ينتجها مشروع «جوليوس نيريري» مخصصة للشبكة الكهربائية التنزانية، ولا تنتقل إلى مصر، كما أن المياه المخزنة في خزان السد ليست موردًا مائيًا لمصر.
وتشير بيانات شركة «المقاولون العرب» إلى أن الكهرباء المنتجة من المحطة، والبالغة قدرتها 2115 ميجاوات، يتم نقلها عبر خطوط جهد 400 كيلوفولت، ثم دمجها في شبكة الكهرباء الوطنية داخل تنزانيا.
وبالتالي، فإن استفادة مصر من المشروع لا تتمثل في الحصول على الكهرباء أو المياه، وإنما تأتي بصورة أساسية من العائد الاقتصادي الذي تحققه الشركات المصرية، إلى جانب تعزيز خبراتها وسمعتها الدولية، وفتح أسواق جديدة أمام قطاعات المقاولات والهندسة والصناعة والطاقة المصرية.
مكسب استراتيجي لمصر في القارة الإفريقية
يحمل مشروع «جوليوس نيريري» أهمية استراتيجية لمصر، باعتباره نموذجًا للتعاون المصري مع إحدى دول القارة الإفريقية في تنفيذ مشروع ضخم للطاقة والبنية التحتية.
كما يعزز نجاح الشركات المصرية في تنزانيا من الحضور الاقتصادي والفني المصري داخل إفريقيا، ويمنح القاهرة تجربة مهمة يمكن البناء عليها في تنفيذ مشروعات أخرى بدول القارة، بما يدعم العلاقات الاقتصادية والاستثمارية المصرية الإفريقية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية في ظل توجه مصر نحو توسيع مجالات التعاون مع الدول الإفريقية، خاصة في القطاعات المرتبطة بالطاقة والبنية التحتية والمياه والتنمية المستدامة، بما يفتح آفاقًا جديدة للشراكات الاقتصادية والاستثمارية بين مصر ودول القارة.
مشروع يعزز قدرات الطاقة في تنزانيا
وعلى الجانب التنزاني، يمثل «جوليوس نيريري» مشروعًا محوريًا لزيادة قدرات توليد الكهرباء، حيث تضم المحطة 9 توربينات، تبلغ قدرة كل توربين منها 235 ميجاوات، بإجمالي قدرة مركبة تصل إلى 2115 ميجاوات.
وتوفر هذه القدرات الجديدة دعمًا كبيرًا للشبكة الكهربائية الوطنية في تنزانيا، بما يساعد على تلبية الطلب المتزايد على الطاقة، ويدعم خطط التصنيع والنمو الاقتصادي والتنمية في البلاد.
ولا يقتصر دور المشروع على توليد الكهرباء فقط، إذ يؤدي السد كذلك دورًا في التحكم في الفيضانات، فضلًا عن توفير خزان مائي ضخم يمكن الاستفادة منه على مدار العام في عدد من الأنشطة، من بينها الزراعة والصيد، إلى جانب دعم خطط التنمية والحفاظ على البيئة المحيطة.
خبرات مصرية تفتح أبوابًا جديدة في إفريقيا
ويعكس تنفيذ مشروع بهذا الحجم في تنزانيا تطور قدرات الشركات المصرية في تنفيذ المشروعات الاستراتيجية المعقدة، ويمنحها سجلًا جديدًا من الإنجازات يمكن الاستناد إليه عند المنافسة على مشروعات مماثلة في الأسواق الإفريقية والدولية.
كما تمثل الخبرات التي اكتسبتها الفرق الهندسية والفنية المصرية خلال تنفيذ «جوليوس نيريري» أحد أهم المكاسب غير المباشرة للمشروع، خاصة مع إمكانية نقل هذه الخبرات إلى مشروعات جديدة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والسدود.
وبذلك، لا يمثل «جوليوس نيريري» مجرد سد ومحطة لتوليد الكهرباء في تنزانيا، وإنما يعد مشروعًا بارزًا يبرز قدرات الشركات المصرية في الأسواق الإفريقية، ويمنح مصر مكاسب اقتصادية وفنية واستراتيجية تتجاوز حدود المشروع نفسه، ويدعم توجهها نحو تعزيز حضورها كشريك تنموي واقتصادي فاعل داخل القارة.
