منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران في 28 فبراير الماضي، وجدت مصر نفسها أمام اختبار دبلوماسي مركب: كيف تحافظ على علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن، وتضامنها مع دول الخليج المتضررة من الهجمات الإيرانية، وفي الوقت ذاته تبقي قنوات التواصل مفتوحة مع طهران، دون أن تنجرّ إلى مواجهة مباشرة؟ وبين تصريحات متكررة عن "دور مصري محوري" في وقف التصعيد، وحضور أطراف أخرى كعُمان وقطر وتركيا وباكستان على طاولة الوساطة نفسها، يبرز سؤال جوهري: هل تستعيد القاهرة فعليًا مكانتها التاريخية كوسيط إقليمي أول في أزمات المنطقة، أم أن دورها بات أقرب إلى "شريك مساند" ضمن منظومة وساطة جماعية لا تملك فيها اليد الطولى؟
من التحفظ إلى الانخراط.. كيف تطور الموقف المصري؟
في الأسابيع الأولى للمواجهة، اتسم الموقف المصري بالحذر: أدانت القاهرة الهجمات الإيرانية التي طالت دولًا خليجية والأردن والعراق، وأكد الرئيس عبد الفتاح السيسي تضامنه مع "الدول العربية الشقيقة"، لكن مصر استبعدت في المقابل أي تورط عسكري مباشر في المواجهة، مفضلة التركيز على مسار التهدئة بالتعاون مع تركيا وباكستان والسعودية. ويرى محللون أن هذا التريث لم يكن تهربًا من المسؤولية بقدر ما كان محاولة متعمدة لتفادي الظهور كطرف منخرط في مواجهة مفتوحة، والحفاظ على هامش دبلوماسي يتيح للقاهرة أن تلعب دور الوسيط بدل أن تتحول إلى طرف في الصراع.
وبحسب اتصال هاتفي أجراه الرئيس السيسي مع الملك عبد الله الثاني أواخر يوليو الماضي، أدانت مصر بوضوح الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت الأردن ودولًا شقيقة أخرى، مؤكدة أن أمن الأردن جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، ومطالبة بتضافر الجهود الدولية لاحتواء التصعيد، وهو ما يعكس استمرار الازدواجية التي حكمت الموقف المصري: انحياز واضح لأمن الخليج والمشرق العربي، مقابل إبقاء الباب مفتوحًا أمام الوساطة مع طهران.
ثلاثية القاهرة – أنقرة – إسلام آباد.. اللحظة الأبرز في مسار التهدئة
الدور المصري بلغ ذروته الفعلية في المفاوضات الماركاثونية التي سبقت إعلان الهدنة الأولى بين واشنطن وطهران في أبريل الماضي. فبعد أن رفض المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف مقترحًا إيرانيًا أوليًا واصفًا إياه بـ"الكارثة"، تصدرت ثلاثية مصر وتركيا وباكستان المشهد، وعملت على صياغة عدة مسودات لتضييق هوة الخلافات، إلى أن حظي اقتراح منقّح لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بموافقة الطرفين الأمريكي والإيراني في الساعات الأخيرة من المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وأشارت تقارير غربية إلى أن مصر لعبت دورًا بارزًا في التوصل إلى هذا الاتفاق، إلى جانب الدور الرئيسي الذي أدته سلطنة عُمان في قنوات موازية.
هذا الحضور المصري لم يقتصر على العمل خلف الكواليس، بل ظهر أيضًا في تصريحات علنية متكررة لوزير الخارجية بدر عبد العاطي، الذي أكد في وقت لاحق أن مصر ترى سبيلًا أمام الولايات المتحدة وإيران لخفض حدة التوتر، مشددًا في الوقت نفسه على إدانة القاهرة المستمرة لاستهداف طهران دولًا عربية أخرى، وفي مقدمتها الكويت التي تحمّلت وطأة متزايدة من الهجمات الإيرانية. كما تلقى وزير الخارجية القطري اتصالًا من نظيره المصري لبحث جهود الوساطة المشتركة، في مؤشر على تنسيق مصري-قطري مستمر على هذا الملف.
عُمان تتصدر تفاصيل هرمز.. أين موقع القاهرة الآن؟
مع انتقال مسار التفاوض إلى تفاصيل أكثر تقنية، وتحديدًا ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز، بات لافتًا أن سلطنة عُمان هي التي تصدرت واجهة الوساطة خلال الأسابيع الأخيرة، إذ أعلنت طهران التوصل إلى تفاهم مع مسقط حول الإحداثيات الخاصة بمسارات الملاحة، ضمن مفاوضات وصفتها الخارجية الإيرانية بـ"البنّاءة"، فيما لا تزال بعض التفاصيل التنفيذية قيد الصياغة قبل أي إعلان رسمي عن اتفاق نهائي. وفي موازاة ذلك، أعلنت واشنطن رفع العقوبات عن ثلاثة كيانات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، في خطوة اعتُبرت مؤشرًا على تقدم ملموس في المسار العماني تحديدًا.
هذا التحول في مركز ثقل الوساطة نحو مسقط، بعدما كانت القاهرة في قلب المشهد خلال المرحلة الحادة من الأزمة، يفتح الباب أمام قراءة أكثر دقة لطبيعة الدور المصري: فقد وصف الباحث في العلاقات الدولية أحمد الدرهلي هذا الدور بأنه جزء من "منظومة وساطة إقليمية أوسع" إلى جانب باكستان وتركيا ودول أخرى، لكنه اتسم بخصوصية واضحة تمثلت في كونه دورًا داعمًا وموازنًا أكثر منه وساطة مباشرة، وهو وصف يتقاطع مع تقييمات أخرى ترى أن مصر تستثمر علاقاتها المتوازنة مع الدول العربية وشراكتها الاستراتيجية مع واشنطن وقنوات تواصلها القائمة مع طهران، لتكون وسيطًا "مقبولًا" أكثر من كونها الوسيط "الحاسم" في كل مراحل الأزمة.
قراءات حزبية وبرلمانية للدور المصري
الأحزاب السياسية المصرية واكبت هذا المسار بتصريحات متكررة تحتفي بما وصفته بـ"الدبلوماسية الهادئة" للدولة. فقد اعتبر حزب الوعي أن الهدنة التي تحققت بين واشنطن وطهران لا يمكن قراءتها بمعزل عن جهود دبلوماسية مصرية متراكمة، لعبت فيها الدولة دورًا محوريًا وهادئًا وحاسمًا، اتسم بالاتزان والقدرة على إدارة التناقضات دون الانزلاق نحو الاستقطاب أو المغامرة، منذ اللحظة الأولى للأزمة وربما قبل بدايتها.
كما رحّب حزب المصريين، على لسان رئيسه، بالاتفاق الأمريكي الإيراني باعتباره فرصة لإنقاذ الشرق الأوسط من شبح الحروب، مطالبًا المجتمع الدولي والجانب الأمريكي بالتحرك العاجل لتسريع تنفيذ خطوات السلام في المنطقة بما يشمل الملف الفلسطيني، في ربط واضح بين ملف التهدئة الإيرانية الأمريكية وملفات إقليمية أخرى تعتبرها الأحزاب المصرية مترابطة.
وعلى المستوى المؤسسي، رأى رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية والنائب بمجلس الشيوخ، السفير محمد العرابي، أن مصر "وسيط نزيه لديه علاقة بكل الأطراف"، وأنها مؤهلة للعب دور في أزمة لا تحتمل المنطقة معها مزيدًا من التصعيد، مشددًا على أن أي دور مصري للوساطة لا بد أن يتضمن رفضًا قاطعًا لاستهداف الدول الخليجية، باعتباره خطأ إيرانيًا استراتيجيًا يجب أن يتوقف فورًا لإنجاح أي جهود للتهدئة.
سؤال مفتوح: وساطة مستعادة أم دور مساند بين وسطاء كثر؟
بين لحظة تصدّر فيها القاهرة، إلى جانب أنقرة وإسلام آباد، مشهد المفاوضات الحاسمة التي أفضت إلى أول هدنة بين واشنطن وطهران، ولحظة لاحقة تراجع فيها حضورها الإعلامي المباشر لصالح الوساطة العمانية في تفاصيل مضيق هرمز، يبدو أن الدور المصري في هذه الأزمة لم يكن خطيًا ولا ثابت الملامح، بل تأرجح بين الانخراط النشط في اللحظات الحرجة والانسحاب إلى موقع الدعم والمواءمة حين تتحول المفاوضات إلى تفاصيل فنية تديرها أطراف أخرى أقرب جغرافيًا وسياسيًا من الملف. فهل يعكس هذا التأرجح استراتيجية مصرية واعية تُدخر فيها القاهرة حضورها للحظات الفارقة فقط، أم أنه يعكس تراجعًا فعليًا في قدرة مصر على منافسة وسطاء إقليميين آخرين باتوا يمتلكون أدوات ضغط وتواصل مباشرة مع طهران لا تملكها القاهرة بالقدر نفسه؟ سؤال يبقى مرهونًا بمسار المفاوضات ذاته، وبمدى قدرة الدبلوماسية المصرية على تحويل حضورها الرمزي في اللحظات الحاسمة إلى موقع تفاوضي دائم لا ينافسه فيه أحد.
