من سفارة يحيى إلى شاشة شكري.. كيف مثّلت عائلة سرحان مصر بطريقتين؟

أعادت وفاة السفير السابق يحيى شكري سرحان  قراءة سيرة «فتى الشاشة الأول» من زاوية مختلفة.. فالأب جسّد الدولة وتحولاتها على الشاشة، والابن حمل تمثيل مصر إلى عالم الدبلوماسية.

وفاة السفير السابق يحيى شكري سرحان 

لم تكن وفاة السفير السابق يحيى شكري سرحان مجرد خبر حزين في عائلة أحد أهم نجوم السينما المصرية، وإنما أعادت إلى الواجهة مفارقة لافتة في سيرة أسرة حمل أحد أبنائها اسم مصر إلى الخارج عبر الدبلوماسية، بينما حمل الأب الاسم نفسه إلى وجدان الملايين عبر الشاشة.

وأعلنت أسرة السفير السابق يحيى شكري سرحان وفاته في أستراليا، مع بدء الإجراءات الخاصة بنقل جثمانه إلى مصر تمهيدًا لدفنه في مقابر العائلة بالقاهرة.

من هو يحيي شكري سرحان 

يحيى هو الابن الأكبر للفنان الراحل شكري سرحان، وقد ارتبط اسمه بالعمل الدبلوماسي، فيما عاش شقيقه صلاح سرحان داخل الوسط الفني والسينمائي.

وتؤكد مصادر صحفية سابقة أن يحيى كان سفيرًا سابقًا وأقام في أستراليا مع أسرته.

لكن المفارقة الأكثر إثارة تبدأ من الأب نفسه: شكري سرحان لم يكن رجل سياسة، لكنه كان واحدًا من أكثر الفنانين التصاقًا بصورة مصر السياسية والاجتماعية على الشاشة.

«رد قلبي».. حين أصبح الممثل جزءًا من الحكاية السياسية

عندما نتذكر شكري سرحان، يصعب فصل صورته عن شخصية «علي» في فيلم «رد قلبي»؛ ذلك الضابط ابن الأسرة البسيطة الذي يدخل عالم الثورة في مواجهة عالم الباشوات والإقطاع.

الفيلم لم يكن مجرد قصة حب بين «علي» وإنجي، وإنما قدم على الشاشة صورة للتحولات الاجتماعية التي سبقت ثورة يوليو وما أعقبها، ولذلك ظل واحدًا من أكثر الأعمال ارتباطًا بذاكرة الثورة المصرية.

وشكري نفسه كان يدرك هذه المكانة. ففي حديث تلفزيوني عن الفيلم، أكد اعتزازه به، وتحدث عن أجواء العمل التي عاش خلالها أبطال الفيلم مرحلة مصر السابقة على الثورة، كما أشار إلى التكريم الذي حصل عليه من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بمنحه وسام الجمهورية في عيد العلم عام 1965.

مذكرات شكري سرحان 

وتكشف مذكرات شكري سرحان عن لحظة أكثر دلالة؛ إذ روى أن عبد الناصر حضر العرض الخاص لـ«رد قلبي» مع أعضاء قيادة الثورة، وأنه تأثر بالفيلم، قبل أن يمنح سرحان وسام الجمهورية، مشيدًا بقدرته على التعبير عن شخصية «ابن مصر البار».

وهنا تحديدًا بدأت الصورة التي صنعتها السينما: شكري سرحان لم يجسد شخصية ضابط في فيلم فحسب، وإنما أصبح وجهًا سينمائيًا لمرحلة كاملة من تاريخ مصر.

 شكري سرحان لم يكن «ناصريًا على الشاشة» 

المفارقة التي تجعل سيرة الرجل أكثر تعقيدًا من الصورة الشائعة، أن مذكراته المنسوبة إليه تكشف موقفًا سياسيًا أكثر تركيبًا تجاه ثورة يوليو.

فبحسب ما نشرته بعض الصحف عن مذكراته، كان سرحان يستخدم تعبير «الانقلاب» عند حديثه عن ثورة 23 يوليو، كما انتقد بعض آثار التأميم وفرض الحراسات، وهو ما يجعل العلاقة بين الفنان والثورة أكثر تعقيدًا من مجرد كونه بطل الفيلم الأشهر عن صعودها.

وهنا تظهر واحدة من أهم مفارقات حكايته: الفنان الذي جسّد على الشاشة ابن الثورة، لم تكن رؤيته الشخصية للتجربة السياسية مطابقة بالضرورة للصورة التي قدمها الفيلم.

وهذا تحديدًا ما يجعل شكري سرحان حالة تستحق إعادة القراءة بعيدًا عن فكرة «فتى الشاشة» التقليدية.

من «رد قلبي» إلى وجوه أخرى لمصر

لم تتوقف مسيرة شكري سرحان عند تقديم البطل الشعبي أو الشاب الذي يصعد من الطبقة البسيطة.

على امتداد عقود، انتقل بين شخصيات تكشف تغير المجتمع المصري، من «ابن النيل» إلى «شباب امرأة» و«درب المهابيل» و«اللص والكلاب» و«الزوجة الثانية» وغيرها.

وفي كل مرحلة كان الممثل يتحرك داخل أسئلة أكبر من الشخصية التي يؤديها: الطبقة، السلطة، الفقر، العدالة، التحول الاجتماعي، علاقة الفرد بالمجتمع، وصدام القديم بالجديد.

ولهذا يمكن النظر إلى أفلام شكري سرحان باعتبارها، في جانب منها، أرشيفًا دراميًا لتحولات مصر السياسية والاجتماعية، حتى عندما لم تكن السياسة هي الموضوع المباشر للفيلم.

الابن اختار طريقًا آخر لتمثيل مصر

بعد عقود من وقوف الأب أمام الكاميرا، جاء الابن يحيى من طريق مختلف تمامًا.

شكري سرحان كان يمثل مصر في الخيال الشعبي؛ أما يحيى فاختار التمثيل الرسمي من خلال السلك الدبلوماسي.

الأب وقف أمام الكاميرا ليجسد ضابطًا أو ابن بلد أو موظفًا أو رجلًا يصطدم بالسلطة والمجتمع، بينما حمل الابن الصفة الدبلوماسية إلى عالم العلاقات الدولية، قبل أن يستقر في أستراليا.

وهكذا تبدو الحكاية، بعد وفاة يحيى، كأنها فصلان من سيرة واحدة:

أب مثّل مصر على الشاشة.. وابن مثّلها خارج الشاشة.

ولعل المفارقة الأجمل أن شكري سرحان، الذي ارتبط اسمه بأشهر صورة سينمائية لضابط الثورة في «رد قلبي»، أصبح أبًا لسفير سابق؛ وكأن علاقة العائلة بالدولة انتقلت من السينما إلى الدبلوماسية، ومن الشخصية التي يصنعها الممثل إلى الدور الذي يؤديه الدبلوماسي في الواقع.

«السفير» و«فتى الشاشة».. حكاية اسم واحد بطريقين

رحيل يحيى شكري سرحان يعيد أيضًا التذكير بأن الفنان الراحل لم يترك وراءه فقط رصيدًا سينمائيًا ضخمًا، وإنما ترك أسرة تشعبت مساراتها بعيدًا عن الفن.

وفي الوقت الذي سار فيه شقيقه صلاح شكري سرحان في طريق التمثيل والكتابة، اتجه يحيى إلى الدبلوماسية، ليصبح أحد أبناء العائلة الذين ارتبط اسمهم بالعمل العام خارج الوسط الفني.

لذلك ربما تكون أفضل طريقة لقراءة خبر وفاة يحيى اليوم ليست باعتباره مجرد «نجل الفنان شكري سرحان»، وإنما باعتباره نهاية فصل من قصة عائلة جمعت بين الفن والدبلوماسية.

فالأب لم يكن وزيرًا ولا نائبًا ولا قائدًا سياسيًا، لكنه وقف في قلب واحدة من أكثر المراحل السياسية حضورًا في ذاكرة المصريين.

والابن لم يكن ممثلًا، لكنه اختار مهنة تقوم في جوهرها على تمثيل الدولة في الخارج.

شكري سرحان مثّل مصر كما أرادتها السينما أن تُرى.. ويحيى شكري سرحان مثّل مصر كما تقتضيها الدبلوماسية أن تكون.

وبين الشاشة والسفارة، تبدو قصة عائلة سرحان واحدة من تلك الحكايات التي تجعل وفاة شخص تعيد اكتشاف سيرة كاملة لم تكن تُروى بهذه الطريقة من قبل.