مبانٍ حديثة بواجهات زجاجية، وأجهزة تصوير متطورة، وأسرّة رعاية مركزة بالمئات، تُفتتح الواحدة تلو الأخرى في محافظات مصر المختلفة. لكن خلف هذه الواجهة اللامعة، يقف مريض في غرفة الطوارئ ينتظر طبيبًا غير موجود، أو أسرة تبحث عن نيابة رعاية مركزة شاغرة فلا تجدها رغم امتلاء المستشفى بالأسرّة الفارغة. فجوة تتسع كل عام بين حجم الإنفاق على الطوب والإسمنت، وحجم النقص في العنصر البشري الذي يُفترض أن يُشغّل هذه المنشآت. فكيف تحوّلت "المستشفى الجديدة" من رمز للإنجاز إلى مساحة فارغة من الكفاءات في كثير من الأحيان؟

طفرة إنشائية بأرقام كبيرة

شهد القطاع الصحي خلال السنوات الأخيرة موجة غير مسبوقة من مشروعات البناء والتطوير، ضمن خطة موسعة تستهدف رفع الطاقة الاستيعابية للمنشآت الطبية في مختلف المحافظات، وبخاصة في مناطق الصعيد والحدود التي كانت تعاني تاريخيًا من نقص التغطية الصحية. ورصدت خطة الاستثمار الأخيرة عشرات المستشفيات الجديدة بمئات الأسرّة وغرف العمليات ووحدات الرعاية المركزة والحضانات، إلى جانب مئات مشروعات تطوير المستشفيات القائمة بتكلفة تُقدَّر بعشرات المليارات من الجنيهات.

هذا التوسع يواكبه أيضًا تمدد في تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل بمحافظات جديدة، ونقل تبعية عدد من المنشآت العلاجية إليها، بما يفترض نظريًا مزيدًا من التغطية وتحسنًا في جودة الخدمة المقدمة للمواطن.

الوجه الآخر: نيابات شاغرة وتخصصات بلا أطباء

في مقابل هذا الزخم الإنشائي، يعيش القطاع الطبي أزمة متصاعدة في توزيع الأطباء وسد الاحتياجات الفعلية للمستشفيات. فقد أعلنت مستشفيات عديدة عن حاجتها الفعلية لأطباء في تخصصات حرجة مثل الرعاية المركزة والتخدير والطوارئ، دون أن تنعكس هذه الاحتياجات في حركات التكليف والنيابات، ما يترك أسرّة الرعاية المركزة قائمة من الناحية الإنشائية لكن بلا كوادر كافية لتشغيلها.

وفي المقابل، تشهد حركات تعيين الأطباء الجدد كل عام موجة من الجدل والاعتراضات، إذ يجد نسبة متزايدة من الأطباء الخريجين أنفسهم دون تخصص رغم مجاميع مرتفعة، بينما تظل مستشفيات أخرى تعاني عجزًا حقيقيًا في التخصصات ذاتها التي يتنافس عليها هؤلاء الخريجون، في مفارقة تكشف خللًا في آليات التخطيط أكثر منها نقصًا مطلقًا في أعداد الأطباء.

أزمة الهجرة: حين يفرغ القطاع من كفاءاته

يبقى ملف هجرة الأطباء العامل الأكثر تأثيرًا في اتساع الفجوة بين المباني الجديدة والكوادر التي تُديرها. فمن بين مئات الآلاف من الأطباء المسجلين في نقابة المهنة، تعمل نسبة كبيرة منهم خارج البلاد، فيما تسجل استقالات الأطباء من القطاع الحكومي آلاف الحالات سنويًا، بمعدل يقترب أحيانًا من استقالة كل ساعتين تقريبًا. هذا النزيف المستمر يفرغ المستشفيات الجديدة من كوادرها قبل أن تكتمل تشغيلها بالكامل، ويجعل بعض التخصصات الحرجة كالتخدير والرعاية المركزة على وشك ما يصفه بعض الأطباء أنفسهم بـ"التصحر الطبي".

ويعزو كثير من الأطباء قرار الهجرة إلى فجوة الأجور الكبيرة مقارنة بدول الخليج وأوروبا، إلى جانب ضغط العمل المتزايد على الكوادر المتبقية نتيجة نقص الزملاء، وتحمّل الأطباء الكبار أعباء الأطباء المقيمين الغائبين، فضلًا عن غياب بيئة تدريب وتطور مهني مستقر داخل بعض المنشآت.

حين لا يلتقي التخطيط الإنشائي بالتخطيط البشري

يكشف واقع الحال أن أزمة الخدمة الصحية لم تعد مرتبطة بغياب البنية التحتية بقدر ما ارتبطت بغياب التنسيق بين خطط البناء وخطط توزيع الكوادر البشرية. فمستشفى مجهزة بأحدث الأجهزة دون أطباء متخصصين يديرونها، تظل من الناحية العملية عاجزة عن أداء الدور الذي أُنشئت من أجله، بينما يستمر المريض في دفع الثمن، سواء بالانتظار الطويل، أو بالاضطرار للتنقل بين المحافظات بحثًا عن تخصص غير متوفر في منطقته.

سؤال معلق: هل تُقاس الصحة بعدد المستشفيات أم بعدد من يعملون فيها؟

بين رقمين متناقضين، عشرات المستشفيات الجديدة من جهة، وآلاف الأطباء الذين يغادرون القطاع كل عام من جهة أخرى، يبقى السؤال الأهم بلا إجابة حاسمة: هل تكفي زيادة عدد الأسرّة وغرف العمليات لقياس تطور المنظومة الصحية، أم أن المعيار الحقيقي لنجاحها هو قدرتها على الاحتفاظ بالكفاءات الطبية وتوزيعها بعدالة على المرافق التي تحتاجها فعلًا؟ وإلى متى يمكن أن تستمر المباني في التوسع بينما يتقلص عدد من يقفون داخلها لإنقاذ الأرواح؟