على أرض أحدث ملتقيات التوظيف التي تنظمها الدولة بالتعاون مع القطاع الخاص، تتكرر المشاهد نفسها: عشرات الشركات تفتح أبوابها أمام آلاف الباحثين عن عمل، ولافتات تعلن عن آلاف الفرص الوظيفية في تخصصات متنوعة. رقمياً، يبدو المشهد مطمئناً؛ فمعدل البطالة في مصر تراجع إلى نحو 6.2% في أحدث قراءة رسمية، بعدما كان يقترب من ضعف هذا المستوى قبل سنوات قليلة. لكن خلف واجهة الأرقام الكبيرة، يقف كثير من الشباب في طوابير هذه الملتقيات ليكتشفوا أن وجود الفرصة لا يعني بالضرورة القدرة على شغلها.
فما الذي يمنع آلاف الباحثين عن عمل من التقاط آلاف الفرص المعروضة أمامهم مباشرة؟ الإجابة، بحسب أصحاب الشركات وخبراء سوق العمل، لا تكمن في نقص الوظائف بقدر ما تكمن في فجوة أعمق: فجوة المهارات.
التعليم في وادٍ والسوق في وادٍ آخر
يشير خبراء التوظيف إلى وجود اختلال واضح بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل الفعلية؛ إذ لا يزال التركيز الأكاديمي منصبّاً في كثير من الكليات على الجانب النظري، في حين تشكو قطاعات حيوية مثل الصناعات الغذائية والسياحة وتكنولوجيا المعلومات من نقص حاد في العمالة الماهرة القادرة على التطبيق الفوري. وينتج عن هذا الخلل مفارقة يعيشها سوق العمل المصري: بطالة بين حملة الشهادات العليا في تخصصات بعينها، تتزامن مع عجز صريح عن سد احتياجات قطاعات أخرى تبحث عن كفاءات فنية ومهنية لا تجدها.
وهذا ما يفسر جزئياً ظاهرة الملتقيات التي تعلن عن آلاف الفرص دون أن تُشغل جميعها فور انتهاء فعالياتها؛ فبين رقم الفرص المعلنة ورقم من يتم توظيفهم فعلياً، تكمن مسافة يحددها مدى توافق مؤهلات الحضور مع متطلبات الوظائف المطروحة.
ثلاثي المهارات الناقصة
حين يُسأل أصحاب الشركات المشاركة في ملتقيات التوظيف عن سبب صعوبة الاختيار رغم توافر آلاف السير الذاتية، تتكرر إجابة واحدة تقريباً: المهارات المطلوبة غير متوفرة، حتى لدى من يحملون المؤهل الدراسي المناسب. ولا يقتصر النقص على الجانب التقني البحت، بل يمتد إلى ما يُعرف بالمهارات الشخصية، أبرزها ضعف مهارات التواصل، وعدم إتقان اللغة الإنجليزية، والافتقار إلى الحد الأدنى من إجادة استخدام الحاسب الآلي وبرامجه الأساسية. ويضطر هذا النقص الشركات إلى تحمّل تكلفة إضافية لإعادة تدريب من يقع عليهم الاختيار قبل تشغيلهم فعلياً، وهو عبء تفضل كثير من المؤسسات، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة، تجنبه باستبعاد المرشحين غير المؤهلين تماماً بدلاً من الاستثمار في تأهيلهم.
حين يرفض الشباب الفرصة المعروضة
لا تقتصر المعادلة على غياب المهارات لدى الباحثين عن عمل، بل تمتد إلى جودة الفرص المعروضة نفسها. فكثير من الوظائف التي تظهر في نشرات وملتقيات التوظيف تحمل رواتب لا تتناسب مع ارتفاع تكلفة المعيشة، وساعات عمل طويلة، ومزايا تأمينية محدودة، وهو ما يدفع نسبة من الشباب إلى العزوف عن التقدم لها حتى وإن كانت متاحة فعلياً. ويضاف إلى ذلك غياب مسار وظيفي واضح يوضح للموظف الجديد آفاق ترقيه على المدى المتوسط، وهو عامل يقلل من الدافعية للاستمرار حتى في حال قبول الوظيفة مبدئياً.
بعبارة أخرى، ليست كل الفجوة فجوة مهارات في اتجاه واحد؛ فبينما تشتكي الشركات من نقص كفاءة المتقدمين، يشتكي جزء من الشباب من أن الفرص المطروحة لا ترقى لمستوى "الوظيفة اللائقة" التي يبحثون عنها.
آليات توظيف تقليدية تُبقي الفجوة قائمة
يرى متخصصون في التوظيف أن جزءاً من المشكلة يعود أيضاً إلى الآليات التي تدار بها عملية الاختيار داخل الشركات نفسها؛ إذ لا تزال مؤسسات كثيرة تعتمد على أساليب تقليدية غير منظمة، من الاعتماد على العلاقات الشخصية إلى الإعلانات غير الواضحة عن متطلبات الوظيفة الحقيقية، مروراً بغياب أنظمة موارد بشرية احترافية قادرة على فرز آلاف السير الذاتية بكفاءة. وفي المقابل، لا يزال الاستثمار في أدوات التوظيف الرقمي، مثل أنظمة تتبع المتقدمين والاختبارات الإلكترونية ومنصات التوظيف المهنية، محدوداً نسبياً في السوق المحلي، ما ينعكس على جودة عملية الاختيار من الجهتين.
فجوة تحتاج حلاً من ثلاثة أطراف
يجمع خبراء سوق العمل على أن سد فجوة المهارات ليس مسؤولية طرف واحد؛ فربط المناهج الدراسية والتدريب الفني والمهني مباشرة باحتياجات القطاعات الإنتاجية، وتوسيع برامج تأهيل الشباب في المهارات الشخصية واللغة الإنجليزية والحاسب الآلي، وإتاحة فرص تدريب صيفي حقيقية لطلاب الجامعات، كلها خطوات تقع في الأساس على عاتق المنظومة التعليمية. وفي المقابل، يبقى على القطاع الخاص تحسين جاذبية الوظائف المعروضة من حيث الأجور والتأمينات والمسار الوظيفي، بينما يُنتظر من الجهات الحكومية تسهيل بيئة الاستثمار وتحفيز إنشاء مشروعات جديدة قادرة على توليد فرص عمل مستدامة، لا مجرد فرص معلنة في يوم ملتقى واحد.
وبين رقم الفرص المعلنة على لافتات الملتقيات ورقم من يغادرها فعلياً بعقد عمل في يده، يبقى السؤال مطروحاً: هل تستطيع منظومة التعليم والتدريب في مصر أن تلحق بسرعة نمو فرص العمل المعلنة، أم أن الفجوة بين "الفرصة" و"الكفاءة المؤهلة لشغلها" ستظل تتسع كلما اتسعت أرقام التوظيف نفسها؟
