بعد عشر سنوات من آخر زيارة دولة أجراها إلى القاهرة، يصل الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر غدًا الثلاثاء الأول من سبتمبر، في زيارة رسمية تمتد حتى الثالث من الشهر ذاته، تتزامن مع مرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
لكن خلف البروتوكول والمصافحات الرسمية، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل تملك القاهرة هذه المرة أوراقًا كافية لتحويل هذه الزيارة من محطة احتفالية إلى نقطة تحول اقتصادي فعلي، تنتقل فيه العلاقة من التبادل التجاري إلى الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا؟
الاستثمارات الصينية.. حضور متصاعد لكنه لا يزال محدود النسبة
تشير بيانات التجارة والاستثمار إلى مفارقة لافتة: فبينما تتصدر الصين قائمة الدول المصدرة لمصر، إذ بلغت واردات مصر منها نحو 10.4 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026 بزيادة تجاوزت 25% على أساس سنوي، فإن صافي الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني في مصر لم يتجاوز 226.5 مليون دولار خلال عام 2025، أي ما يمثل 1.5% فقط من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر، ليضع الصين في المرتبة الثالثة بعد الإمارات وليبيا. في المقابل، تأسست خلال النصف الأول من العام الجاري 357 شركة صينية جديدة في مصر، بزيادة تفوق 13% عن العام الماضي، وهو مؤشر على تسارع وتيرة الدخول رغم تواضع الحجم الإجمالي لرأس المال حتى الآن.
الفجوة التجارية تبقى العنوان الأبرز في هذه العلاقة؛ إذ لم تتجاوز صادرات مصر إلى الصين 600 مليون دولار خلال النصف الأول من 2026، رغم قفزها بأكثر من 111% مقارنة بالعام السابق، ما جعل العجز التجاري يرتفع إلى قرابة 9.84 مليار دولار خلال ستة أشهر فقط. وهنا تكمن أولى المطالب المصرية من هذه الشراكة: تصحيح هيكل الميزان التجاري، لا الاكتفاء بجذب مزيد من الواردات الصينية.
توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا.. من الشعار إلى الشرط التعاقدي
باتت عبارة "نقل التكنولوجيا" حاضرة في كل اجتماع حكومي مع الوفود الصينية، لكنها تتحول تدريجيًا من شعار عام إلى شرط يوضع على طاولة التفاوض. ففي المباحثات الأخيرة حول مشروع مجمع صناعي متكامل لإنتاج الألومنيوم باستثمارات مليارَي دولار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، شدد الجانب الحكومي المصري على ضرورة أن يسهم المشروع في نقل الخبرات والتكنولوجيا الحديثة، والاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة في التشغيل. هذا النمط من الاشتراطات يعكس تحولًا في مقاربة القاهرة: من الترحيب المطلق بأي استثمار وارد، إلى محاولة ربط الاستثمار بمكون محلي أعلى ومشاركة أوسع للشركات المصرية، بما يجعل الشراكة جزءًا من بناء قاعدة صناعية وطنية، لا مجرد امتداد لخطوط إنتاج صينية على أرض مصرية.
المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.. القلب النابض للاستثمار الصيني
تتركز غالبية الاستثمارات الصينية في مصر داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وتحديدًا في منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري "تيدا" بالعين السخنة، التي تضم أكثر من 200 شركة باستثمارات تراكمية تجاوزت 4.7 مليار دولار، ومبيعات تراكمية فاقت 7.3 مليار دولار، وساهمت في توفير أكثر من 10 آلاف فرصة عمل مباشرة. وعلى امتداد العامين الماضيين، جذبت المنطقة الاقتصادية بأكملها نحو 6 مليارات دولار من الاستثمارات، مثّلت الاستثمارات الصينية نحو 40% منها، فيما يعمل داخلها ما يقارب 160 شركة صينية في قطاعات متنوعة تمتد من الألياف الزجاجية ومواد البناء إلى معدات الطاقة والآلات.
كما نجحت منطقة القنطرة غرب الصناعية في جذب 30 مشروعًا من إجمالي 52 مشروعًا صناعيًا، أغلبها في الصناعات النسيجية والملابس.
النموذج القائم في "تيدا" يُعرض اليوم بوصفه تجربة ناجحة يمكن البناء عليها لإنشاء تجمعات صناعية صينية أكبر وأكثر تنوعًا، وهو أحد الملفات التي يُرجَّح أن يزورها الرئيس الصيني خلال جولته الميدانية، إلى جانب العاصمة الإدارية الجديدة.
فرص العمل والتصنيع المحلي.. أرقام واعدة تحتاج اتساعًا
على مستوى التوظيف المباشر، توفر المشروعات الصينية القائمة والمرتقبة آلاف فرص العمل: من أكثر من 10 آلاف وظيفة في "تيدا" وحدها، إلى أكثر من 3 آلاف وظيفة متوقعة من مشروع مجمع الألومنيوم الجديد في قناة السويس، مرورًا بمشروعات أصغر مثل مصنع لتخزين الطاقة باستثمارات 50 مليون دولار، ومجمع لإنتاج المستلزمات الصحية باستثمارات 67 مليون دولار، كلاهما في العين السخنة.
لكن التحدي الأكبر لا يكمن في عدد الوظائف بقدر ما يكمن في نوعيتها: فكلما ارتفعت نسبة المكون المحلي في الإنتاج، واتسعت مشاركة الموردين والمقاولين المصريين في سلاسل الإمداد، تحول الاستثمار الصيني من مجرد خط تجميع إلى رافعة حقيقية لبناء قدرات صناعية وطنية قابلة للتصدير.
هل تتحول مصر إلى بوابة للصادرات الصينية نحو أفريقيا والمنطقة؟
يبدو هذا السؤال هو الأكثر إلحاحًا في المرحلة الراهنة، فموقع مصر الجغرافي الرابط بين ثلاث قارات، وسيطرتها على أحد أهم الممرات البحرية العالمية عبر قناة السويس، يمنحانها فرصة أن تتحول من سوق استهلاكية للمنتجات الصينية إلى قاعدة إنتاج وتصدير إقليمية. وقد بدأت ملامح هذا التحول تظهر بالفعل: فمنذ مايو 2026، أدرجت الصين مصر ضمن خطة الإعفاء الجمركي الكامل على واردات 53 دولة أفريقية، فيما تمنح شهادة المنشأ المصري الشركات الصينية العاملة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ميزة تنافسية للنفاذ إلى الأسواق الأوروبية دون القيود الجمركية المفروضة على الصادرات الصينية المباشرة. وهناك اهتمام صيني متزايد بالتعاون في إدارة وتشغيل الموانئ والمناطق اللوجستية ومراكز التوزيع داخل المنطقة الاقتصادية، بما يحول قناة السويس من مجرد ممر لعبور البضائع إلى مركز للتصنيع والتخزين وإعادة التصدير.
من الورق إلى الأرض.. ما الذي تحتاجه مصر فعليًا؟
رغم وجود نماذج قائمة بالفعل تُترجم الشراكة إلى مشروعات ملموسة، أبرزها الحي التجاري المركزي بالعاصمة الإدارية الجديدة الذي شيدته شركة هندسة البناء الحكومية الصينية ويضم البرج الأيقوني، أطول مبنى في أفريقيا، فإن تحويل الاتفاقيات إلى مشروعات واسعة النطاق يحتاج إلى خطوات مؤسسية أعمق. فقد طالب مسؤولون واقتصاديون بتحديث اتفاقية حماية وتشجيع الاستثمار الموقعة بين البلدين عام 1994، وتحديث اتفاقية منع الازدواج الضريبي الموقعة عام 1999، بما يتناسب مع حجم التعاون الحالي. كما تبرز الحاجة إلى تفعيل آليات التجارة بالعملات المحلية، بعد أن جددت مصر والصين في يونيو 2026 اتفاق مبادلة العملات ورفعت قيمته إلى 30 مليار يوان، إلى جانب التوسع في القروض الميسرة، على غرار القرض الصيني بقيمة 200 مليون دولار لتمويل المرحلة الثالثة من مشروع القطار الكهربائي الخفيف. ويبقى البرنامج التنفيذي للشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين للفترة من 2024 إلى 2028 هو الإطار المرجعي الذي يُفترض أن يحوّل الإرادة السياسية إلى جداول زمنية ومشروعات قابلة للقياس.
وبين وفرة الأرقام والوعود من جهة، وبطء وتيرة تحول بعضها إلى مصانع فعلية على الأرض من جهة أخرى، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح القاهرة هذه المرة في أن تكون شريكًا يصنع ويصدّر، أم تظل، كما في محطات سابقة، سوقًا واسعة تُستقبل فيها البضائع أكثر مما تُصنَّع؟
