أكد الدكتور أحمد سمير أبو الفتوح، الخبير الاقتصادي، في تصريح خاص لموقع «خمسة سياسة»، أن العلاقات الاقتصادية المصرية الصينية دخلت مرحلة جديدة تتجاوز مفهوم التجارة التقليدية، لتتجه نحو الاستثمار والتصنيع ونقل التكنولوجيا والتصدير، مشيرًا إلى أن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر تمثل فرصة مهمة لإعادة صياغة الشراكة الاقتصادية بين البلدين على أسس أكثر إنتاجية واستدامة.

أحمد سمير: أرقام التجارة تعكس قوة وحجم العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وبكين

وقال أبو الفتوح إن أرقام التجارة تعكس قوة وحجم العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وبكين، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والصين نحو 20.78 مليار دولار خلال عام 2025، مقابل 17.37 مليار دولار في 2024، بزيادة تقارب 19.6%.

وأوضح أن التحدي الحقيقي لا يكمن في زيادة حجم التجارة فقط، وإنما في إعادة هيكلة هذه التجارة ومعالجة الاختلال الكبير في الميزان التجاري، لافتًا إلى أن الواردات المصرية من الصين بلغت نحو 18.76 مليار دولار، مقابل صادرات مصرية في حدود 491 مليون دولار.

وأضاف أن المرحلة المقبلة يجب أن تستهدف تحويل جزء من الواردات المصرية إلى إنتاج محلي باستثمارات صينية، ثم توجيه هذا الإنتاج إلى التصدير للأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية، بما يحقق لمصر قيمة مضافة أكبر ويعزز قدرتها على مواجهة فجوة التجارة مع الصين.

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن مصر تمتلك مقومات قوية تؤهلها للقيام بهذا الدور، وفي مقدمتها قناة السويس والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وحجم السوق المحلية، والعمالة، والموقع الجغرافي، إلى جانب شبكة الاتفاقيات التجارية التي تتيح للمنتج المصنّع في مصر فرص نفاذ إلى أسواق واسعة.

ولفت إلى أن منطقة «تيدا – مصر» تمثل أحد أبرز نماذج التعاون الصناعي بين البلدين، بعدما تحولت إلى منصة رئيسية للاستثمارات الصينية داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وتضم عشرات المشروعات في قطاعات متنوعة، من بينها الأجهزة المنزلية ومواد البناء والطاقة والمنسوجات والصناعات الهندسية، باستثمارات صينية تقدر بنحو 2 مليار دولار وفق البيانات الرسمية.

وأوضح أن عام 2025 شهد توقيع 3 مشروعات صناعية صينية جديدة بقيمة تقارب 1.15 مليار دولار، معتبرًا أن ذلك يعكس تحولًا مهمًا في طبيعة التعاون المصري الصيني، من التركيز على البنية الأساسية إلى توسيع قاعدة التصنيع والإنتاج.

وأضاف أن من أبرز المشروعات المرشحة للمرحلة المقبلة إنشاء مجمع صناعي متكامل للألومنيوم باستثمارات صينية تصل إلى نحو ملياري دولار، مع توقعات بتوفير أكثر من 3 آلاف فرصة عمل، موضحًا أن المشروع لا يزال في إطار المباحثات والتخطيط، إلا أن أهميته تتجاوز حجم الاستثمار ذاته، نظرًا لما يمثله الألومنيوم من مدخل أساسي لصناعات استراتيجية، مثل السيارات والطاقة الشمسية والكابلات والصناعات الهندسية.

وأكد أبو الفتوح أن السيارات الكهربائية والبطاريات ومكوناتها تأتي على رأس القطاعات المرشحة لجذب مزيد من الاستثمارات الصينية إلى مصر، إلى جانب الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتخزين الكهرباء والإلكترونيات والأجهزة الكهربائية.

وفي قطاع التكنولوجيا، شدد على ضرورة توسيع نطاق الشراكة نحو مجالات ذات قيمة مضافة مرتفعة، مثل الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والأمن السيبراني، ومراكز البحث والتطوير، بما يساعد مصر على الانتقال تدريجيًا من مجرد مستورد للتكنولوجيا إلى مركز إقليمي لإنتاج وتصدير الخدمات الرقمية.

كما أشار إلى أن قطاع النقل واللوجستيات يمثل محورًا مهمًا في الشراكة المصرية الصينية، خاصة في ظل الموقع الاستراتيجي لمصر وقناة السويس، مؤكدًا أن الطموح يجب أن يتجاوز استيراد المعدات والقطارات إلى التصنيع المحلي لمكونات النقل والسكك الحديدية والنقل الكهربائي.

وتابع أن العلاقات المالية بين البلدين تكتسب أهمية متزايدة، مع تعزيز آليات مبادلة العملات، بما يتيح مساحة أكبر لتسوية جزء من التجارة بالعملات المحلية، وتنويع أدوات التمويل، وتقليل الاعتماد على الدولار في بعض المعاملات التجارية والمالية.

وشدد أبو الفتوح على أن نجاح الشراكة المصرية الصينية لا يجب أن يقاس بعدد مذكرات التفاهم أو حجم الاستثمارات المعلنة، وإنما بحجم القيمة المضافة التي تخلقها هذه الاستثمارات داخل الاقتصاد المصري.

وأوضح أن أي مشروع صيني جديد في مصر يجب أن يستهدف أربعة محاور رئيسية في الوقت نفسه: زيادة المكون المحلي، ونقل التكنولوجيا، وخلق فرص العمل، وزيادة الصادرات وإحلال الواردات.

وقال إن المعادلة الاقتصادية التي ينبغي أن تعمل عليها مصر خلال السنوات المقبلة واضحة: الصين توفر رأس المال والتكنولوجيا والخبرة الصناعية، بينما توفر مصر الموقع وقناة السويس والعمالة والسوق المحلية والنفاذ إلى الأسواق الخارجية.

وأكد أن النتيجة المستهدفة يجب ألا تكون مجرد «استثمار صيني في مصر»، وإنما «منتج مصري باستثمار وتكنولوجيا صينية يتم تصديره إلى العالم».

واختتم الخبير الاقتصادي تصريحه بالتأكيد على أن القيمة الحقيقية للشراكة المصرية الصينية تكمن في قدرة مصر على تحويل طبيعة العلاقة من مجرد علاقة تجارية إلى شراكة إنتاجية، قائلًا:

«المستقبل الحقيقي للعلاقات المصرية الصينية ليس في زيادة حجم التجارة فقط، وإنما في الانتقال من التجارة إلى الاستثمار، ومن الاستثمار إلى التصنيع، ومن التصنيع إلى التصدير؛ بحيث تتحول الصين من أحد أكبر مصادر الواردات المصرية إلى أحد أهم شركاء مصر في بناء قاعدة صناعية وتصديرية جديدة».

للمزيد اضغط هنـــــــــــــــــــــــــا