في قلب القاهرة الفاطمية، وحيث تتمازج نفحات التاريخ بأسرار الأولياء والصالحين، يقع عند سفح جبل المقطم وتحديدًا في منطقة «القرافة الصغرى»، مسجد سيدي عقبة بن عامر الجهني. هذا المكان لا يضم فقط رفات صاحبه، بل يحتضن بين جدرانه ضريحًا لواحد من أعظم قادة التاريخ الإسلامي، وأبرز رجالات السياسة والفروسية.. إنه الصحابي الجليل عمرو بن العاص (رضي الله عنه) فاتح مصر ومؤسس مدينة الفسطاط.

بساطة وتواضع.. على خطى الوصية الأخيرة
عند عبور المصلي أو الزائر للباب الرئيسي للمسجد، يستقبله على الجانب الأيمن مباشرةً ضريح «ابن العاص» في بقعة شديدة البساطة والهدوء. وتتجلى المفارقة البصرية والتاريخية في هذا المشهد؛ فرغم أن القبر يخص قائدًا هز عروشًا، وارتبط اسمه بتمصير مصر وتغيير مجرى التاريخ في شمال إفريقيا، إلا أن ضريحه يخلو تمامًا من مظاهر الفخامة، أو المبالغة في الزخارف، أو مظاهر العظمة الدنيوية.
هذه البساطة الملفتة للنظر لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت تجسيدًا حيًا لوصيته الأخيرة قبيل وفاته، حين قال قاطback: «إذا متُّ فأهيلوا عليَّ التراب»، ليكون مرقده كما أراد دائمًا: بسيطًا، متواضعًا، وبعيدًا عن بهارج الدنيا.

نبوءة «المقوقس» وحكاية الجبل الأقرع
ويرتبط موضع القبر عند سفح جبل المقطم برواية تاريخية قديمة دونها المؤرخ «حرملة التجيبي» (المتوفى سنة 243هـ).
وتعود تفاصيل القصة إلى حوار دار بين عمرو بن العاص وحاكم مصر «المقوقس» أثناء سيرهما معًا في هذا الموضع.
حينها تعجب فاتح مصر من طبيعة الجبل وسأل المقوقس مستفسرًا: «يا مقوقس، ما بال جبلكم هذا أقرع، ليس عليه نبات ولا شجر، على نحو من جبال الشام؟». فدار الحديث بينهما ليرد المقوقس بنبوءة تاريخية قائلًا إن تحت هذا الجبل سيتوارى قوم يبعثهم الله يوم القيامة لا حساب عليهم. وأمام هذه البشارة، تطلع القائد الزاهد إلى نيل تلك المنزلة، فدعا ربه قائلًا: «اللهم اجعلني منهم».
جوار الصالحين.. ملتقى الصحابة في القرافة الصغرى
وقد تحقق لعمرو بن العاص ما تمنى؛ حيث أكد «حرملة التجيبي» في توثيقه التاريخي رؤيته للقبر في ذلك الموضع المبارك، مشيرًا إلى الجوار الروحاني الذي جمع الفاتح بأصحابه؛ إذ يضم الموقع ذاته إلى جوار قبر عمرو بن العاص، قبري الصحابيين الجليلين أبي بصرة الغفاري وعقبة بن عامر. ليظل سفح المقطم شاهدًا عبر العصور على فضل هؤلاء الرجال الذين أضاؤوا لمصر طريقًا جديدًا من الحضارة والإيمان.
