بدأ اليوم رسميًا تلقي طلبات التسجيل لقرعة الحج السياحي لموسم 1448هـ/2027م عبر شركات السياحة المصرية على البوابة الموحدة للحج، ويستمر التسجيل حتى نهاية الشهر الجاري، تمهيدًا لإجراء القرعة الإلكترونية العلنية وإعلان أسماء الفائزين بعدها بأيام قليلة. لكن خلف هذا الإعلان الإجرائي يكمن سؤال أكثر إلحاحًا بالنسبة لآلاف المصريين المقبلين على التسجيل: الفارق بين أرخص برنامج وأغلى برنامج يتجاوز 400 ألف جنيه لأداء الفريضة ذاتها، في نفس التوقيت تقريبًا وضمن نفس المناسك. فما الذي يبرر هذا الفارق الضخم؟ وهل يذهب فعليًا إلى خدمة أفضل، أم إلى بند واحد بعينه يحدد السعر أكثر من أي شيء آخر؟
خريطة البرامج: عشرة مستويات وأربع فئات رئيسية
قسّمت الضوابط المعتمدة برامج الحج السياحي لهذا الموسم إلى أربع فئات رئيسية، تتفرع إلى عشرة مستويات سعرية، وجميعها أسعار تمثل الحد الأقصى المسموح به، بمعنى أن شركات السياحة يمكنها تقديم أسعار أقل شريطة الالتزام بالمواصفات المعلنة والمتعاقد عليها:
- السياحي أبراج: سعر واحد عند 580 ألف جنيه، مخصص له 2000 تأشيرة، ويعني الإقامة في أبراج منى تحديدًا.
- السياحي مخيمات: ثلاثة مستويات، من 395 ألف جنيه للمستوى الأدنى وحتى 650 ألف جنيه للمستوى الأعلى، بإجمالي 4300 تأشيرة.
- الاقتصادي بالطيران: ثلاثة مستويات، من 270 ألف جنيه وحتى 310 آلاف جنيه، وهو الفئة الأكبر من حيث عدد التأشيرات بواقع 18 ألف تأشيرة، أي أكثر من نصف إجمالي حصة الحج السياحي.
- الحج البري: ثلاثة مستويات، من 230 ألف جنيه وحتى 260 ألف جنيه، بإجمالي 2850 تأشيرة، وهو الخيار الأقل سعرًا بين جميع البرامج المعلنة.
ما لا يظهره الرقم المعلن
الأسعار المعلنة أعلاه ليست التكلفة النهائية الكاملة في كل الحالات. فبالنسبة لبرامج الأبراج والمخيمات والاقتصادي بالطيران، لا يشمل السعر المعلن تذكرة الطيران، بينما لا تشمل أسعار برامج الحج البري تكلفة تذكرة العبّارة بين ميناءي نويبع والعقبة. أي أن المتقدم مطالب بإضافة هذين البندين على حساباته الخاصة قبل تحديد الميزانية الفعلية للرحلة، وهو تفصيل قد يغيب عن كثيرين عند المقارنة الأولى بين المستويات.
يُضاف إلى ذلك مبلغ "جدية الحجز" الذي يُسدد عند التقدم للقرعة قبل معرفة نتيجتها أصلًا، وهو مبلغ غير مسترد بحسب الضوابط، ويتضمن 150 جنيهًا مقابل الخدمات الإلكترونية بصرف النظر عن نتيجة القرعة. وتتفاوت قيمته بحسب المستوى المختار: من نحو 50 ألف جنيه لبرنامج البري، مرورًا بنحو 80 ألف جنيه للاقتصادي، ثم 120 ألف جنيه للمخيمات، وصولًا إلى 150 ألف جنيه لبرنامج الأبراج.
أين يذهب الفارق السعري فعليًا؟
يُلزم كل برنامج بعقد مكتوب بين شركة السياحة والحاج يوضح بالتفصيل: مستوى الخدمة، السكن، الوجبات، وسائل الانتقال، وسيلة السفر، مدة البرنامج، ومستوى الطوافة (المرافقة والإرشاد المناسكي)، إلى جانب الالتزامات المالية الأخرى. وبمراجعة الفروق الفعلية بين المستويات، يظهر أن أكبر مكوّن يحرك السعر هو مسافة السكن من الحرم المكي، أكثر من أي بند آخر.
فقد حددت الضوابط حدًا أقصى لمسافة السكن المسموح بها عند 4 آلاف متر من الحرم، مع الإبقاء على المناطق المعتمدة في مواسم سابقة وإمكانية استحداث مناطق جديدة بعد معاينتها. وفي المقابل، أتاحت الضوابط لبعض البرامج -تحديدًا الاقتصادي "ج" والبري "ج"- إمكانية "تحسين" السكن مقابل مبلغ إضافي محدد: 17 ألف جنيه للحاج مقابل الإقامة في فنادق من ساحة الحرم وحتى 250 مترًا منه، أو 14 ألف جنيه مقابل الإقامة على مسافة تتراوح بين 250 و750 مترًا. أي أن الفارق بين أن يمشي الحاج دقائق معدودة إلى الحرم أو أن يحتاج لوسيلة مواصلات للوصول إليه قد لا يتجاوز بضعة عشرات الآلاف من الجنيهات، وهو ما يفسر جزءًا كبيرًا من التفاوت بين مستويات البرنامج الواحد.
ضمانات جديدة على الورق: من يراقب الشركات؟
في مواجهة شكاوى متكررة في مواسم سابقة عن مبالغ إضافية غير معلنة، حظرت ضوابط هذا الموسم على شركات السياحة تحصيل أي مبالغ نقدية من المتقدمين دون تسجيلهم على البوابة الموحدة للحج، أو تحصيل مبالغ تتجاوز القيمة المثبتة في البرنامج أو العقد. كما ألزمت الشركات بتحرير إيصال رسمي للحاج يوضح قيمة البرنامج ومستواه، والاحتفاظ بنسخة منه لتقديمها للوزارة عند الطلب. وفي حال رغبة الشركة بتقديم أي خدمة إضافية خارج البرنامج الأساسي -كتحسين السكن مثلًا- يُشترط إبرام عقد منفصل يوضح طبيعة الخدمة وسعرها، وإدراجها ضمن البرنامج النهائي المعتمد من الوزارة قبل تحصيل أي مبلغ.
كما استُحدث هذا الموسم نظام إلكتروني لتقييم جودة الخدمات المقدمة للحجاج عبر تطبيق مخصص، يقوم على محاور تقييم متعددة تغطي تجربة الحاج الكاملة من التسجيل وحتى العودة، في محاولة لربط تقييم الشركات بأداء فعلي قابل للقياس، بدلًا من الاعتماد فقط على الشكاوى اللاحقة.
فجوة تستحق المتابعة
الجهات المعنية تعرض المستويات العشرة باعتبارها خيارات تناسب مختلف الشرائح الاقتصادية للمواطنين، وهو صحيح من حيث المبدأ. لكن حين يكون الفارق الأكبر بين برنامج بـ230 ألف جنيه وآخر بـ650 ألف جنيه هو في جوهره فارق مسافة مشي إلى الحرم أكثر منه فارقًا في نوعية الطوافة أو الوجبات أو الانتقالات، يصبح السؤال الأهم بالنسبة للمقبلين على التسجيل هذا الأسبوع: هل يستحق قرب السكن هذا الفارق المالي الكبير فعليًا، أم أن المعيار الأدق للمقارنة يجب أن يبدأ من بنود العقد التفصيلية لا من الرقم الإجمالي المعلن على الوزارة؟
