لم يعد التمكين الاقتصادي مرتبطًا بتوفير التمويل فقط، وإنما أصبح الوعي بكيفية إدارة الأموال والتعامل مع الخدمات المصرفية جزءًا أساسيًا من نجاح أي مشروع، وهو ما دفع صندوق دعم الصناعات الريفية والبيئية إلى تنفيذ تدريب متخصص حول مفاهيم الشمول المالي لمجموعة من مستفيدي برنامج «تكافل وكرامة» بمحافظة أسيوط.
وجاء التدريب بالتعاون مع بنك مصر والجمعية الخيرية لتنمية المجتمع بالسوالم البحرية، وأُقيم في قرية السوالم البحرية التابعة لمركز أبنوب، في إطار جهود تستهدف منح المستفيدين الأدوات والمعارف اللازمة للاستفادة من فرص التمويل وإقامة مشروعات إنتاجية مدرة للدخل.
لماذا يبدأ التمكين من الوعي المالي؟
الحصول على التمويل يمثل خطوة مهمة بالنسبة للراغبين في إقامة مشروعات متناهية الصغر، إلا أن نجاح هذه الخطوة يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة صاحب المشروع على إدارة الأموال والتخطيط للنفقات ومعرفة طبيعة الخدمات المالية المتاحة أمامه.
ومن هذا المنطلق، ركز التدريب على تقديم مفاهيم مبسطة وعملية حول الشمول المالي، بما يساعد المشاركين على فهم أهمية التعامل مع المؤسسات المالية الرسمية، والاستفادة من الخدمات والمنتجات المصرفية بطريقة تتناسب مع احتياجاتهم وإمكاناتهم.
ويمنح هذا النوع من التدريب المستفيد فرصة أكبر للتعامل مع الأدوات المالية بصورة واعية، بدلًا من اتخاذ قرارات مالية دون معرفة كافية بطبيعة الخدمات أو الالتزامات المرتبطة بها.
الادخار والتخطيط.. مهارات تتجاوز حدود المشروع
لم يتوقف المحتوى التدريبي عند التعريف بالمؤسسات والخدمات المصرفية، وإنما امتد إلى مجموعة من المهارات المرتبطة بالحياة المالية اليومية، وفي مقدمتها إدارة الموارد، والادخار، والتخطيط المالي.
وتكتسب هذه الجوانب أهمية خاصة لدى أصحاب المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، إذ إن الفصل بين الأموال الشخصية وأموال المشروع، وتحديد الأولويات، ومتابعة المصروفات والإيرادات، كلها عوامل يمكن أن تساعد صاحب النشاط على اتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن مشروعه.
كما تناول التدريب الاستخدام الآمن للخدمات المالية والرقمية، في ظل التوسع المتزايد في الاعتماد على الوسائل الإلكترونية لإجراء المعاملات المالية، وهو ما يجعل المعرفة بأساليب الاستخدام الآمن عنصرًا أساسيًا في منظومة الشمول المالي.
من مستفيد إلى صاحب مشروع
الهدف الأوسع من هذه الأنشطة لا يرتبط بالتدريب باعتباره غاية مستقلة، وإنما بتجهيز المستفيد للمرحلة التالية، وهي القدرة على الاستفادة من التمويلات المتاحة في إنشاء نشاط إنتاجي يمكن أن يمثل مصدرًا للدخل.
وبالنسبة لمستفيدي «تكافل وكرامة»، فإن الجمع بين الحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي يفتح مسارًا إضافيًا أمام الأسر الراغبة في تحسين أوضاعها المعيشية، من خلال اكتساب مهارات تساعدها على استثمار الفرص المتاحة وفق إمكاناتها.
وهنا تظهر أهمية أن يكون التمويل مصحوبًا بالتأهيل؛ فالمشروع الصغير لا يحتاج إلى رأس المال فقط، وإنما يحتاج أيضًا إلى صاحب مشروع يعرف كيف يخطط وينفق ويدخر ويتعامل مع المخاطر والالتزامات المالية.
«التمويل الذكي» يجمع أكثر من أداة
ويأتي تنفيذ التدريب ضمن أنشطة مشروع التمويل الذكي متناهي الصغر الممول من بنك مصر، وفي إطار المنظومة المالية الاستراتيجية للتمكين الاقتصادي.
وتعتمد هذه المنظومة على الجمع بين عدد من المسارات بدلًا من التعامل مع التمويل بصورة منفصلة، حيث يرتبط توفير التمويل بالتدريب وبناء القدرات والدعم الفني، بما يساعد المستفيدين على الاستعداد بشكل أفضل لإدارة التمويلات التي قد يحصلون عليها وتوجيهها إلى الأنشطة المستهدفة.
ويعكس هذا النهج تصورًا أوسع للمشروعات متناهية الصغر، باعتبارها أداة يمكن أن تسهم في خلق مصادر دخل وتحسين القدرة الاقتصادية للأسر، بشرط توافر المعرفة والإدارة الجيدة إلى جانب التمويل.
الخدمات المصرفية الرسمية في متناول المستفيدين
ومن بين الرسائل الرئيسية التي ركز عليها التدريب التأكيد على أهمية التعامل مع المؤسسات المالية الرسمية، والتعرف على ما تقدمه من خدمات ومنتجات.
ويمثل توسيع قاعدة المتعاملين مع القطاع المالي الرسمي أحد الأهداف الأساسية للشمول المالي، إذ يتيح للأفراد الوصول إلى خدمات مالية منظمة، ويزيد قدرتهم على استخدام وسائل الادخار والدفع والتمويل بصورة أكثر أمانًا ووضوحًا.
كما أن امتلاك المعرفة المالية يمكن أن يساعد المستفيد على المقارنة بين الخيارات المتاحة، وفهم طبيعة الخدمة التي يستخدمها، ومعرفة حقوقه والتزاماته قبل اتخاذ أي قرار مالي.
التمكين الاقتصادي يبدأ من القرية
ويحمل تنفيذ التدريب في قرية السوالم البحرية بمركز أبنوب دلالة مهمة، باعتبار أن الوصول إلى المستفيدين في المناطق الريفية يمثل جزءًا أساسيًا من توسيع نطاق برامج الشمول المالي والتمكين الاقتصادي.
فالمشروعات الصغيرة في القرى يمكن أن ترتبط بالأنشطة المحلية واحتياجات المجتمع، سواء في مجالات الإنتاج أو الخدمات أو الصناعات الريفية، بما يمنح أصحابها فرصة للاستفادة من الموارد والخبرات المتاحة في بيئتهم المحلية.
ومن هنا، فإن تدريب المستفيدين داخل مجتمعاتهم المحلية يساعد على تقريب مفاهيم التمويل والخدمات المصرفية من الفئات المستهدفة، ويجعل الانتقال من المعرفة النظرية إلى التطبيق العملي أكثر ارتباطًا بواقعهم واحتياجاتهم.
نحو مشروعات أكثر استدامة
ويركز النهج المتكامل للمنظومة المالية الاستراتيجية للتمكين الاقتصادي على بناء قدرة المستفيد على إدارة التمويل بصورة مسؤولة، وليس مجرد إتاحة مبلغ مالي له.
فكلما امتلك صاحب المشروع أدوات أفضل للتخطيط وإدارة الموارد وفهم الخدمات المالية، زادت قدرته على التعامل مع التحديات التي قد تواجه نشاطه، واتخاذ قرارات أكثر ارتباطًا بقدرات المشروع واحتياجاته الفعلية.
ويستهدف هذا التكامل في النهاية تأسيس مشروعات ناجحة ومستدامة، بما يسهم في تحسين مستويات دخل الأسر المستفيدة، ويدعم قدرتها على الاعتماد على مصادر دخل إنتاجية، إلى جانب الاستفادة من مظلة الحماية الاجتماعية.
شراكة تجمع التمويل والخبرة
ويبرز التعاون بين صندوق دعم الصناعات الريفية والبيئية وبنك مصر والجمعية الخيرية لتنمية المجتمع بالسوالم البحرية أهمية الشراكات في تنفيذ برامج التمكين الاقتصادي، حيث تتكامل أدوار التمويل والتدريب والوصول إلى المستفيدين داخل المجتمعات المحلية.
ويأتي تدريب مستفيدي «تكافل وكرامة» في أبنوب باعتباره حلقة ضمن هذا المسار المتكامل، الذي يسعى إلى تحويل المعرفة المالية إلى قدرة على اتخاذ القرار، وتحويل فرصة التمويل إلى مشروع، وتحويل المشروع إلى مصدر دخل أكثر استقرارًا واستدامة.
وبذلك، يصبح الشمول المالي بالنسبة للمستفيدين ليس مجرد معرفة بالخدمات المصرفية، وإنما أداة عملية تساعدهم على التخطيط لمستقبلهم الاقتصادي والاستفادة بصورة أفضل من فرص التمويل والتمكين المتاحة أمامهم
