قال الكاتب والباحث المصري محمد سيد صالح: إننا في السابق كنا ندرس أن مفهوم العولمة هو أن يصبح العالم كقرية صغيرة، لكن الواقع تجاوز ذلك؛ فلم يعد العالم قرية صغيرة، بل أصبح أقرب إلى غرفة واحدة يتابع فيها الجميع الأحداث ذاتها في اللحظة نفسها، وأن شبكة الإنترنت ومعها منصات التواصل الاجتماعي والفضائيات الحديثة، وفرت بيئة جعلت الإنسان يعيش الأحداث لحظة بلحظة، يرى ويسمع ويتفاعل مع كل شيء فور وقوعه، حتى أصبح يعيش تفاصيل ما يجري في أقصى الأرض كما لو كان يحدث أمام عينيه.
محمد سيد صالح خطورة السوشيال ميدياتجعل الإنسان شديد الانشغال بالجانب المادي
وأوضح الكاتب محمد سيد صالح، أن لهذه الحالة آثارًا خطيرة، من أبرزها أمور عدة، الأول هو تزعزع العقيدة في القلوب الضعيفة، فكثرة متابعة النوازل والكوارث والحروب والظلم والمآسي دون علم شرعي أو تأصيل إيماني راسخ قد تفتح أبواب الشبهات على بعض الناس، فيتعجب أحدهم من كثرة المصائب والابتلاءات، ثم يبدأ بالتساؤل والاعتراض، حتى يصل الأمر عند بعضهم إلى الشك في الدين أو الإلحاد والعياذ بالله، ولذلك كان العلماء يؤكدون دائمًا أن النظر إلى الأحداث يجب أن يكون من خلال ميزان الشرع والإيمان، لا من خلال ردود الأفعال العابرة والمشاهد المجتزأة التي تمتلئ بها الشاشات.
وأضاف صالح أن من خطورة السوشيال ميديا أيضًا أنها تجعل الإنسان شديد الانشغال بالجانب المادي من الحياة، من كثرة ما يشاهده من مظاهر الترف والرفاهية، والاهتمام بالملبس والمسكن والمشرب، وأحدث الماركات والهواتف والسيارات وغيرها من مظاهر الاستهلاك التي ينقلها إليه البلوجرز والفنانون بصورة مستمرة، وهو أمر لم يكن له في السابق هذا الحضور والتأثير الكبير، إذ أصبح الإنسان يرى تفاصيل حياة هؤلاء بصورة يومية، فيتولد لديه شعور بأنه ينبغي أن يعيش كما يعيشون، وأن يمتلك ما يمتلكون، وأن يحقق المستوى ذاته من الرفاهية والمظهر، فينشأ لديه تعلق متزايد بالماديات والمظاهر على حساب الجوانب الأخرى من الحياة، ويتغافل في المقابل عن الجانب الروحي والإيماني، حتى يصاب بهشاشة في الروح، فيصبح أكثر تأثرًا واضطرابًا أمام أي خبر أو شبهة أو ابتلاء، لأنه لم يبنِ داخله من الإيمان واليقين ما يعينه على مواجهة تقلبات الحياة.
وأشار الكاتب والباحث المصري إلى أن من أخطر آثار السوشيال ميديا كذلك أنها تمنح كثيرًا من الشباب إحساسًا زائفًا بالمعرفة، فمجرد مشاهدة عشرات المقاطع وسماع آراء متعددة قد يجعل الإنسان يتوهم أنه أصبح متخصصًا، وأنه امتلك الحقيقة المطلقة، بينما هو في الحقيقة لم يقرأ كتابًا مؤصلًا، ولم يرجع إلى المصادر الأصلية، ولم يتتبع أقوال العلماء والباحثين في المسألة التي يتحدث عنها، وقد يؤدي هذا الوهم بالمعرفة إلى التكاسل عن طلب العلم والرجوع إلى أمهات الكتب والمصادر الموثوقة للوصول إلى الحق، فيصبح الإنسان كثير المعلومات، لكنه قليل العلم، وكثير الكلام، لكنه ضعيف التأصيل.
وأضاف صالح أن الأمر الثاني هو تبلد المشاعر وقسوة الإحساس، فكثرة مشاهدة مشاهد القتل والدماء والجرحى والمآسي تجعل القلب يعتادها شيئًا فشيئًا، حتى يفقد قدرته الطبيعية على التأثر بها كما ينبغي، ومع مرور الوقت لم تعد وسائل التواصل تكتفي بعرض الأحداث، بل أصبحت تفرض على كثير من الناس منظومة كاملة تجعل الاهتمام بالمظهر والصورة والانطباع أهم من الجوهر والقيم والمشاعر الإنسانية الحقيقية.
وأكد باحث الدكتوراه المصري محمد سيد صالح، أنه من هنا يمكن أن نفهم كيف قد يصل بعض الناس إلى حالة من البرود العاطفي المقلقة، فقد يشاهد الإنسان حادثًا مأساويًا أو مشهدًا إنسانيًا بالغ القسوة، ثم يتعامل معه وكأنه مادة للفرجة أو التعليق أو صناعة المحتوى، وقد ينشغل بتصوير المشهد أو البحث عن التفاعل والمشاهدات أكثر من انشغاله بحجم المأساة وآلام أصحابها، فإن مجرد صدور مثل هذا السلوك يكشف حجم الأزمة التي أصابت بعض النفوس نتيجة الاعتياد على المشاهد الصادمة والسعي الدائم وراء الظهور والاهتمام بالصورة الخارجية على حساب الجوهر الإنساني.
وأشار صالح إلى أن الإفراط في متابعة وسائل التواصل الاجتماعي دون ضوابط لم يصنع إنسانًا أكثر وعيًا بالضرورة، بل صنع في كثير من الأحيان إنسانًا أكثر اضطرابًا، أقل تركيزًا، وأضعف إحساسًا، حتى أصبح بعض الناس أقرب إلى الآلة التي ترى وتسمع وتسجل لكنها لا تشعر، موضحا أن المحافظة على إنسانيتنا لا تكون بمتابعة كل حدث وكل مقطع وكل جدل، وإنما بحفظ قلوبنا، وترتيب أولوياتنا، والاهتمام بالجوهر قبل المظهر، وبالقيم قبل الاستعراض.
