تُشكل مدينة "نجع تركي" الأثرية بمركز أبو تشت بمحافظة قنا إحدى أهم المحطات التاريخية والاستراتيجية على مسار "درب الأربعين" الصحراوي الشهير. وتولي الدكتور محمود عبد الوهاب مدني، مدير الشئون الأثرية بمنطقة آثار مصر العليا، توثيق تفاصيل هذا الموقع الفريد الذي يجسد نموذجًا متكاملاً للعمارة الخدمية والتجارية في العصر العثماني.

موقع استراتيجي على درب القوافل
تمتد المدينة على مساحة تُقدر بنحو 21 فدانًا و22 قيراطًا و16.7 سهمًا، وتكتسب أهميتها من موقعها الحساس على الحافة الشرقية للهضبة الجبلية المجاورة لقرية الكرنك غرب قنا.
مثّلت المدينة نقطة انطلاق ومحطة رئيسية للقوافل التجارية وحجاج المسار الرابط بين الفاشر بالسودان وأسيوط بمصر، والذي سُمي بـ"درب الأربعين" لاستغرق الرحلة نحو 40 يومًا.
تاريخ التسجيل وأعمال الحفائر
خضعت المنطقة للتسجيل ضمن الآثار المصرية قبل أن تُنقل رسمياً إلى قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بموجب القرار رقم 1686 لسنة 1984.
وأوضح الدكتور محمود عبد الوهاب مدني، أن منطقة آثار نجع حمادي نفذت أول موسم حفائر علمية عام 1987، تلاه موسم ثانٍ عام 1992؛ وأسفرت الأعمال عن كشف مبانٍ وأساسات معمارية متعددة الأغراض وكثافة عالية من الشقافات الفخارية، لتخضع حالياً لعمليات توثيق شاملة تحمى عناصرها التاريخية.

عمارة متكاملة وسمات فنية فريدة
ينتظم المجمع الأثري داخل أسوار مرتفعة تحيط بالموقع، وتتوزع كتلته العمرانية على النحو الآتي:
الوحدات السكنية: مُقسّمة فراغيًا لتلبية متطلبات الإقامة وتتميز بوجود "الملاقف الهوائية" في واجهاتها البحرية لمعالجة المناخ.
مرافق الإيواء والخدمات: استراحات مخصصة لإيواء الوافدين والقوافل التجارية.
المرافق الاقتصادية والتخزينية: مخازن لحفظ الغلال، وآبار مياه لتأمين الاحتياجات المائية، وأحواش واسعة لإيواء الدواب ورعايتها.
الفنون الجدارية: تزدان بعض الجدران الداخلية بكسوات جيرية ملونة تحمل رسومًا فريدة تُصوّر الكعبة المشرفة والسلاسل الجبلية ورموزًا عقائدية تعود للعصر العثماني.
