قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات يحقق أعلى معدل نمو في تاريخه.. وخطة حكومية لزيادة صادرات التعهيد والتوسع في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات

لم تعد قصة الاتصالات في مصر مرتبطة فقط بعدد خطوط المحمول أو سرعة الإنترنت. خلال السنوات الأخيرة، اتسع المشهد بشكل واضح، ودخل القطاع في ملفات أكبر تتعلق بالتصدير والاستثمار والتكنولوجيا والصناعات الرقمية.

والأرقام الأخيرة تؤكد أن هذا التحول لم يعد مجرد خطة معلنة، بعدما سجل قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات معدل نمو بلغ 24.3% خلال الربع الرابع من العام المالي 2025/2026، وهو معدل قياسي، بحسب التصريحات المعلنة لوزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات المهندس رأفت هندي.

وراء هذه النسبة توجد صناعة تتغير طبيعتها تدريجيًا؛ فإلى جانب خدمات الاتصالات التقليدية، أصبحت صادرات التعهيد والبرمجيات والخدمات الرقمية وصناعة الإلكترونيات والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات جزءًا أساسيًا من حسابات القطاع.

التعهيد.. من خدمة إلى مصدر للعملة الأجنبية

ربما يكون ملف التعهيد هو الأكثر وضوحًا في تفسير التحول الذي يشهده قطاع الاتصالات المصري.

فبحسب تصريحات وزير الاتصالات، وصلت صادرات التعهيد إلى نحو 5.1 مليار دولار بنهاية 2025، فيما تستهدف الدولة رفعها إلى 8 مليارات دولار بحلول 2028.

اللافت هنا أن مصر لا تتعامل مع التعهيد باعتباره مجرد مراكز اتصال تقدم خدماتها للشركات الأجنبية. السوق اتسعت لتشمل البرمجيات، والخدمات الهندسية، وتحليل البيانات، والخدمات المتخصصة، وغيرها من الأعمال التي يمكن تنفيذها من مصر وتقديمها لعملاء في الخارج.

وهذا النوع من النشاط يمثل فرصة مهمة؛ لأنه يخلق إيرادات دولارية من خدمات تعتمد في الأساس على العنصر البشري والمهارات، وليس على استيراد المواد الخام.

كما أن امتلاك مصر قاعدة كبيرة من الشباب المؤهلين للعمل بلغات مختلفة يمنحها فرصة للمنافسة على سوق التعهيد العالمي، خصوصًا مع ارتفاع الطلب على الخدمات الرقمية.

ماذا وراء النمو القياسي؟

النمو الذي سجله القطاع لم يظهر فجأة.

خلال الفترة الماضية، ركزت وزارة الاتصالات على أكثر من مسار في الوقت نفسه، بداية من تطوير البنية التحتية للاتصالات، مرورًا بتدريب الكوادر وتأهيل الشباب، وصولًا إلى دعم الشركات الناشئة وزيادة الاستثمارات في مجالات التكنولوجيا الحديثة.

وتشير مؤشرات القطاع إلى استمرار معدلات النمو المرتفعة؛ فقد سجل قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات نموًا بنحو 13.8% خلال العام المالي 2024/2025، ثم ارتفع إلى 14.5% خلال الربع الأول من العام المالي 2025/2026، قبل أن يصل إلى 24.3% في الربع الرابع.

وبالتالي، فإن الرقم الأخير يأتي ضمن اتجاه صاعد، وليس نتيجة تحرك منفرد خلال فترة قصيرة.

مصر تريد تصنيع التكنولوجيا وليس استهلاكها فقط

هناك ملف آخر يتحرك بالتوازي، وهو صناعة الإلكترونيات.

فالدولة تسعى إلى زيادة حجم التصنيع المحلي، وجذب استثمارات جديدة إلى القطاع، وتشجيع الشركات على إنتاج الأجهزة والمكونات الإلكترونية داخل مصر.

الفكرة هنا تتجاوز توفير المنتجات للسوق المحلية. الهدف الأبعد هو رفع نسبة المكون المحلي، وزيادة القيمة المضافة، ثم فتح الطريق أمام تصدير المنتجات المصنعة في مصر إلى أسواق أخرى.

ومع توسع صناعة الهواتف والأجهزة الإلكترونية، إلى جانب الاهتمام بتصميم الدوائر الإلكترونية والأنظمة المدمجة، أصبح قطاع التكنولوجيا أمام فرصة لبناء سلسلة إنتاج أكثر تكاملًا.

الذكاء الاصطناعي يدخل الحسابات

وفي الوقت نفسه، يبرز الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد الملفات التي تراهن عليها وزارة الاتصالات خلال المرحلة المقبلة.

التحرك لا يقتصر على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وإنما يمتد إلى تشجيع الشركات الناشئة والمطورين على إنتاج حلول يمكن استخدامها فعليًا في قطاعات الدولة والاقتصاد.

وخلال فعاليات Tech Invest Egypt، برز توجه لدعم الابتكار والشركات الناشئة العاملة في التكنولوجيا، إلى جانب طرح حلول قائمة على الذكاء الاصطناعي يمكن اختبارها داخل الجهات الحكومية قبل التوسع في استخدامها.

وهنا تظهر نقطة مهمة: الذكاء الاصطناعي بالنسبة لمصر لم يعد مجرد عنوان لمؤتمرات التكنولوجيا، بل يتحول تدريجيًا إلى سوق جديدة يمكن أن تنتج عنها شركات وخدمات وفرص تصدير.

8 مليارات دولار.. الهدف الذي يختبر قدرة القطاع

الوصول من 5.1 مليار دولار إلى 8 مليارات دولار في صادرات التعهيد بحلول 2028 يعني أن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة قطاع الاتصالات على الحفاظ على معدلات النمو الحالية.

فالزيادة المطلوبة لا تعتمد فقط على افتتاح مراكز جديدة، وإنما تحتاج إلى مزيد من الشركات القادرة على المنافسة خارجيًا، وكوادر تمتلك مهارات متقدمة، وخدمات ذات قيمة مضافة أعلى.

كما أن المنافسة العالمية في مجال التعهيد أصبحت أكثر صعوبة، مع دخول دول جديدة إلى السوق ومحاولة كل دولة جذب الشركات والاستثمارات التي تبحث عن العمالة الماهرة والتكلفة المناسبة والبنية التكنولوجية المستقرة.

الاتصالات لم تعد ملفًا خدميًا فقط

في النهاية، الرقم الأبرز، وهو 24.3%، يكشف عن تغيير في وزن قطاع الاتصالات داخل الاقتصاد المصري.

القطاع الذي ارتبط لسنوات بخدمات الهاتف المحمول والإنترنت أصبح اليوم يمتلك مصادر دخل ونمو أكثر تنوعًا: التعهيد، والبرمجيات، والإلكترونيات، والخدمات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والشركات الناشئة.

وإذا نجحت مصر في الوصول إلى مستهدف 8 مليارات دولار من صادرات التعهيد بحلول 2028، فإن قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات سيكون أمام مرحلة مختلفة تمامًا؛ مرحلة لا يكون فيها دوره مقتصرًا على تقديم الخدمة للمستهلك المصري، وإنما يمتد إلى بيع الخدمات والمنتجات الرقمية للأسواق الخارجية وجذب الاستثمارات وتوفير مصادر جديدة للنقد الأجنبي.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية النمو القياسي: المسألة لم تعد مجرد ارتفاع في معدل نمو قطاع، وإنما محاولة لتحويل التكنولوجيا نفسها إلى صناعة تصديرية ومصدر مستدام للنمو الاقتصادي.