مع حلول شهر توت، يبدأ المصريون عامًا جديدًا وفق التقويم القبطي، الذي تعود جذوره إلى التقويم المصري القديم الذي وضعه قدماء المصريين قبل آلاف السنين، واعتمد على دورة الشمس لتنظيم العام وربط الزمن بمواسم الزراعة وفيضان النيل. ولا تزال أسماء الشهور المصرية القديمة حاضرة في الحياة اليومية حتى اليوم، فيما يحتفظ شهر توت بمكانة خاصة باعتباره أول شهور السنة القبطية وارتباطه بعيد النيروز، رأس السنة المصرية.
التقويم المصري.. نظام زمني ارتبط بالزراعة
عرف المصري القديم أحد أقدم النظم التقويمية في التاريخ، إذ اعتمد على السنة الشمسية وقسمها إلى 12 شهرًا، مدة كل منها 30 يومًا، تضاف إليها خمسة أيام في نهاية العام عُرفت باسم «أيام النسيء»، لتصبح السنة 365 يومًا. وفي السنوات الكبيسة تضاف يوم إضافي إلى أيام النسيء، ليصل عدد أيام السنة إلى 366 يومًا.
ولم يكن التقويم المصري مجرد وسيلة لحساب الأيام والشهور، وإنما ارتبط بصورة وثيقة بدورة الحياة الزراعية في مصر، ومواعيد الزراعة والحصاد، ومواسم ارتفاع وانحسار مياه النيل، وهو ما جعل المصري القديم يربط بين حركة الزمن والظواهر الطبيعية التي تقوم عليها الحياة في وادي النيل.
وكان المصريون القدماء يطلقون على السنة اسم «رنبت»، كما حملت شهور السنة أسماء مرتبطة بالمعتقدات والرموز الدينية والطبيعية لدى المصريين القدماء، قبل أن تنتقل هذه الأسماء إلى اللغة القبطية بصيغها المعروفة حاليًا.
من التقويم المصري القديم إلى التقويم القبطي
شهد التقويم المصري محاولات للتعديل خلال العصر البطلمي، وكان من أبرزها محاولة بطليموس الثالث عام 238 قبل الميلاد إدخال تعديلات تتعلق بضبط السنة الشمسية وإضافة يوم إلى التقويم كل فترة، إلا أن المشروع لم يستمر نتيجة معارضة الكهنة المصريين له.
وفي عام 25 قبل الميلاد، أعيد تنظيم التقويم في عهد الإمبراطور الروماني أغسطس، ليتقاطع مع النظام اليولياني الذي كان مستخدمًا آنذاك. ومن رحم هذا التطور استمر التقويم المصري في صورته القبطية، الذي أصبح لاحقًا التقويم المعتمد لدى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر.
ويرتبط التقويم القبطي كذلك بذكرى شهداء المسيحيين المصريين خلال عصر الإمبراطور دقلديانوس، الذي بدأ حكمه عام 284 ميلاديًا، ولذلك اتخذت الكنيسة من هذا العام بداية للتأريخ القبطي المعروف باسم «تقويم الشهداء».
شهر توت.. بداية السنة الزراعية ورمزية الإله تحوت
يأتي شهر توت في مقدمة شهور السنة القبطية، وتعود تسميته إلى الإله المصري القديم «تحوت» أو «تهوت»، الذي ارتبط بالحكمة والعلم والكتابة والحساب وتنظيم الزمن. وكان تحوت من أبرز الآلهة المرتبطة بالمعرفة في الحضارة المصرية القديمة، وصُوّر في عدد من الآثار المصرية بهيئة رجل برأس طائر أبيس، الذي ارتبط به في التصوير المصري القديم.
ويبدأ العام القبطي بعيد النيروز، الذي يمثل رأس السنة المصرية، وبداية دورة زراعية جديدة. ويوافق عيد النيروز في التقويم الميلادي يوم 11 سبتمبر في السنوات التي لا تتداخل فيها قاعدة السنة الكبيسة مع موعده، بينما قد يوافق 12 سبتمبر في بعض السنوات، كما حدث في عام 2023.
وترتبط تسمية «النيروز» في التراث المصري ارتباطًا بالنيل وموسم الفيضان، الذي كان يمثل عنصرًا أساسيًا في قيام الحضارة المصرية القديمة واستمرار النشاط الزراعي. ومع مرور الزمن وتداخل اللغات والثقافات، تطورت دلالات اللفظ وتداخلت مع كلمة «نوروز» الفارسية، التي تعني اليوم الجديد أو رأس السنة في التقليد الفارسي.
«توت رى ولا تموت».. أمثال ارتبطت بقدوم الشهر
لم يقتصر حضور شهر توت على التقويم والطقوس الدينية، وإنما امتد إلى الثقافة الشعبية المصرية، التي احتفظت بعدد من الأمثال المرتبطة بالشهور القبطية ومواسم السنة.
ومن أشهر الأمثال المتداولة مع بداية شهر توت: «توت ري ولا تموت»، في إشارة إلى أهمية المياه والري في بداية الموسم الزراعي، إلى جانب المثل الشعبي: «توت يقول للحر موت»، وهو تعبير ارتبط بتغير الأجواء وانحسار حرارة الصيف مع دخول الشهر.
وهكذا ظل شهر توت حاضرًا في الذاكرة المصرية بوصفه أكثر من مجرد اسم لشهر في التقويم القبطي؛ فهو حلقة تصل بين المصري المعاصر وحضارة قديمة جعلت من الشمس والنيل والزراعة أساسًا لتنظيم الزمن، وحفظت أسماء شهورها عبر آلاف السنين.
وزيرة الخارجية الفلسطينية تدعو إلى موقف عربي موحد لمواجهة الت...
تصعيد أممي ضد إسرائيل.. تورك يحذر من القتل والتهجير وتقييد مس...
