حين يتوجه الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى العاصمة الهندية نيودلهي للمشاركة في القمة الثامنة عشرة لتجمع بريكس يومي 12 و13 سبتمبر 2026 لن تكون مصر أمام اجتماع دولي تقليدي ولا أمام مناسبة سياسية تقتصر أهميتها على الصور الرسمية والبيانات الختامية. فالقمة تنعقد في لحظة يواجه فيها الاقتصاد العالمي اضطرابات متزامنة في الطاقة والغذاء والتمويل والتجارة بينما تبحث الدول النامية عن مساحة أوسع للتأثير في القرارات الدولية التي تمس مستقبلها.

وتُعقد القمة تحت شعار "بناء الصمود والابتكار والتعاون والاستدامة" وهو شعار يعكس طبيعة الأزمات التي تواجه الاقتصاد العالمي. فلم تعد القضية مجرد تحقيق معدلات نمو مرتفعة بل أصبحت تتعلق بقدرة الدول على حماية احتياجاتها الأساسية وتأمين مصادر الطاقة والغذاء ومواجهة اضطراب سلاسل الإمداد والحصول على التمويل والتعامل مع التحولات التكنولوجية المتسارعة.

وتأتي المشاركة المصرية للعام الثالث على التوالي منذ انضمام مصر رسمياً إلى بريكس في يناير 2024. ومن المقرر أن يلقي الرئيس السيسي كلمة مصر خلال الجلسة المغلقة لقادة دول التجمع في 12 سبتمبر ثم يشارك بكلمة أخرى في الجلسة الموسعة للدول الأعضاء والشركاء في اليوم التالي إلى جانب عقد لقاءات ثنائية مع عدد من القادة وكبار مسؤولي المنظمات الدولية.

لكن الأهمية الحقيقية لهذه المشاركة لا ترتبط بعدد الكلمات أو اللقاءات وإنما بقدرة القاهرة على توظيف القمة في خدمة أولويات اقتصادية واضحة وتحويل عضوية بريكس من مكسب سياسي إلى شبكة عملية من الاستثمارات والمشروعات والأسواق والتكنولوجيا.

مصر بين اضطراب الطاقة وأهمية الممرات البحرية

يأتي أمن الطاقة والملاحة في مقدمة الملفات التي تهم مصر. فالاقتصاد المصري يتأثر بصورة مباشرة بارتفاع أسعار النفط والغاز وزيادة تكاليف الشحن والتأمين واضطراب حركة التجارة الدولية. كما ترتبط إيرادات قناة السويس باستقرار الممرات البحرية وقدرة السفن على عبور الطرق المعتادة بأمان وانتظام.

ولهذا فإن اضطراب الملاحة لا يُترجم فقط إلى تراجع محتمل في إيرادات القناة بل يمتد أثره إلى تكلفة استيراد السلع ومدخلات الإنتاج والطاقة ثم ينتقل في النهاية إلى المصانع والأسواق والأسعار التي يتحملها المواطن.

وتضع أجندة قمة نيودلهي أمن الطاقة والغذاء والمرونة الصحية ومواجهة الكوارث وحماية سلاسل التوريد الحيوية ضمن محاورها الأساسية. وهذه الملفات تلتقي مباشرة مع المصالح المصرية لكنها تفتح أيضاً مجالاً أوسع من مجرد البحث عن إمدادات آمنة من النفط والغاز.

فمن وجهة نظري كباحث في الاقتصاد السياسي يجب أن تسعى مصر إلى نقل الحوار من مسألة الحصول على الطاقة إلى مسألة إنتاج تكنولوجيا الطاقة. ويشمل ذلك جذب استثمارات في تخزين الكهرباء والشبكات الذكية والهيدروجين الأخضر وتصنيع البطاريات ومكونات محطات الطاقة الشمسية والرياح.

وقد أسست الرئاسة الهندية لبريكس مركزاً للتميز في الشبكات الذكية وتخزين الطاقة وهو ما يفتح أمام مصر فرصة للتعاون في تحديث شبكات الكهرباء وزيادة قدرتها على استيعاب الطاقة المتجددة. ولن يقتصر العائد المحتمل لهذه الشراكات على تحسين كفاءة الطاقة بل يمكن أن يمتد إلى توطين الصناعة وخفض تكلفة المعدات المستوردة وتدريب المهندسين والفنيين وخلق فرص عمل جديدة.

تمويل يصنع عائداً لا ديوناً جديدة

أما الملف الثاني فهو تمويل التنمية. فمصر تحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل تساعدها على تطوير الصناعة والطاقة والمياه والنقل والخدمات اللوجستية، وليس فقط إلى تدفقات مالية قصيرة الأجل تعالج احتياجات مؤقتة.

وهنا يبرز دور بنك التنمية الجديد، بوصفه الذراع التمويلية لتجمع بريكس. ويمكن لمصر استخدام عضويتها لتعزيز التعاون مع البنك والحصول على تمويل للمشروعات المستدامة وتشجيع مشاركة القطاع الخاص وتنويع مصادر التمويل المتاحة للاقتصاد.

لكن من الضروري عدم التعامل مع بنك التنمية الجديد باعتباره خزينة مفتوحة أو مصدراً لقروض بلا شروط أو تكاليف. فكل مشروع يحتاج إلى دراسة جدوى وقدرة على السداد ونموذج اقتصادي قابل للاستمرار.

ولهذا يجب أن تتجه الأولوية المصرية إلى المشروعات التي تحقق واحداً أو أكثر من ثلاثة أهداف: توليد تدفقات من النقد الأجنبي وزيادة الصادرات وخفض فاتورة الاستيراد. أما الاقتراض من أجل مشروعات لا تنتج عائداً اقتصادياً واضحاً فقد يغير جهة التمويل من دون أن يعالج أصل المشكلة.

العملات المحلية بين الطموح والواقع

يحضر ملف استخدام العملات الوطنية وتطوير المدفوعات العابرة للحدود بقوة في مناقشات بريكس. وتتمثل الفكرة في تسوية جزء من التجارة بين الدول الأعضاء بعملاتها المحلية بما يقلل تكاليف التحويل ويخفف الاعتماد الكامل على الدولار في بعض المعاملات.

بالنسبة لمصر يمكن لهذا المسار أن يوفر مرونة إضافية في إدارة التجارة الخارجية خاصة مع الدول التي ترتبط معها بحجم كبير من المعاملات. لكنه لا يمثل بديلاً فورياً للنظام المالي الدولي ولا يقدم بمفرده حلاً لأزمة النقد الأجنبي.

فنجاح التسويات بالعملات المحلية يتطلب وجود تجارة متبادلة كافية واتفاقات واضحة بين البنوك المركزية وقابلية لاستخدام العملات وآليات للتحوط من تقلبات أسعار الصرف. كما يتطلب بنية مصرفية ورقمية آمنة تحمي المعاملات والبيانات من المخاطر التقنية والاختراقات.

لذلك فإن المعيار الحقيقي للنجاح لن يكون في ترديد شعار "التخلص من الدولار" بل في إنشاء منظومة مدفوعات عملية وآمنة تخفض تكلفة التجارة وتسرّع التحويلات وتمنح الشركات خيارات إضافية من دون تعريض الاستقرار المالي لمخاطر جديدة.

من تأمين الغذاء إلى صناعته

يمثل أمن الغذاء أحد أكثر الملفات ارتباطاً بحياة المواطن المصري. فمصر تعتمد على الأسواق الدولية لتوفير عدد من السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج الزراعي مما يجعلها شديدة التأثر بتقلبات الأسعار واضطراب الشحن والإمدادات.

ويمكن لبريكس أن يوفر إطاراً لتوقيع عقود طويلة الأجل وتنويع مصادر الاستيراد وتطوير مرافق التخزين والنقل المبرد وزيادة التعاون في البذور والأسمدة والميكنة الزراعية والبحوث.

لكن الفرصة الأكبر لا تكمن فقط في تأمين الاحتياجات بل في تحويل مصر إلى مركز إقليمي لتخزين وتصنيع وتعبئة وإعادة تصدير المنتجات الزراعية والغذائية إلى أفريقيا والعالم العربي.

ومن هنا يبرز مقترح إنشاء مراكز لوجستية مشتركة للحبوب والسلع الاستراتيجية اعتماداً على الموانئ المصرية وقناة السويس وموقع مصر بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. وهذا ليس مشروعاً معلناً حتى الآن وإنما فرصة تفاوضية تتفق مع أجندة القمة ويمكن تحويلها إلى مشروع حقيقي إذا قُدمت له دراسة تنفيذية وتمويل مناسب وشراكات واضحة.

وبهذه الرؤية لا تظل مصر مستورداً للغذاء بل تصبح شريكاً في سلسلة قيمة تبدأ من الزراعة وتمر بالتخزين والتصنيع والتعبئة وتنتهي بالتوزيع والتصدير.

التكنولوجيا بوصفها صناعة وليست منتجاً مستورداً

تضع الرئاسة الهندية الابتكار والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والشركات الناشئة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة في قلب أجندة القمة. وقد شملت المبادرات المطروحة شبكة لحاضنات بريكس وآلية لربط الشركات الناشئة ومنصة BRICS CONNECT للتعاون الفني وبناء القدرات في العمل والتوظيف إلى جانب مبادرات لتيسير تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

وتستطيع مصر الاستفادة من هذه المسارات إذا تعاملت مع التكنولوجيا باعتبارها صناعة ومعرفة لا مجرد معدات وبرامج يتم استيرادها.

فالمكسب الحقيقي يبدأ بتدريب الشباب وربط الجامعات بالمصانع وجذب مراكز البحث والتطوير وبناء شراكات بين الشركات المصرية ونظيراتها في دول التجمع. كما يمكن إنشاء برامج تمويل أو صناديق استثمار مشتركة تربط المشروعات المصرية بمستثمرين وأسواق في الهند والصين والبرازيل ودول أخرى.

ويجب ألا يقتصر هذا الدعم على تقديم القروض. فالمشروعات الصغيرة تحتاج أيضاً إلى التكنولوجيا والتدريب ومعايير الجودة والوصول إلى الأسواق وإلى فرصة حقيقية لكي تصبح مورداً للشركات الكبرى بدلاً من البقاء خارج سلاسل الإنتاج.

مدن أكثر كفاءة وخدمات أقرب إلى المواطن

تفتح شبكة بريكس للبحوث والمعرفة الحضرية مجالاً آخر للتعاون في النقل العام وتحلية المياه وإدارة المخلفات وكفاءة الطاقة والإسكان والحوكمة الرقمية للمدن.

ويمكن توجيه هذا التعاون إلى المدن الجديدة والساحلية ومحافظات الصعيد مع الاستفادة من خبرات دول التجمع في تطوير النقل الكهربائي وإدارة المياه وتحسين كفاءة المباني ورقمنة الخدمات العامة.

غير أن قيمة هذه المشروعات لا تُقاس بحداثة التكنولوجيا وحدها بل بقدرتها على حل مشكلات حقيقية. فلا جدوى من مشروع يحمل عنواناً متطوراً إذا لم يخفّض تكلفة الخدمة أو يحسن حياة السكان أو يوفر فرص عمل أو يحقق عائداً اقتصادياً واجتماعياً واضحاً.

صوت مصري في إصلاح النظام الدولي

إلى جانب الملفات الاقتصادية تحمل المشاركة المصرية بعداً سياسياً يتعلق بإصلاح الحوكمة العالمية. فالجلسة المغلقة للقادة يوم 12 سبتمبر تحمل عنوان "الحوكمة العالمية الشاملة وتعزيز التعددية" بينما تبحث جلسة اليوم التالي بناء نمو عالمي أكثر شمولاً من خلال الصمود والابتكار والتعاون والاستدامة.

ومن المتوقع أن تدافع مصر عن زيادة تمثيل الدول النامية داخل المؤسسات المالية الدولية وتوفير تمويل مناخي أكثر عدالة ومراعاة احتياجات الدول متوسطة الدخل وإصلاح آليات التعامل مع الديون والتصنيف الائتماني.

لكن بريكس لن يكتسب وزنه الحقيقي بمجرد الاعتراض على النظام الدولي القائم. فالاختبار الأصعب هو قدرة التجمع على بناء مؤسسات وأدوات أكثر كفاءة وشفافية وتقديم حلول عملية للدول النامية.

كما يجب ألا يُنظر إلى بريكس باعتباره جبهة سياسية لمواجهة الغرب. فالمصلحة المصرية لا تكمن في الانتقال من تبعية إلى أخرى ولا في استبدال شريك دولي بشريك مختلف، وإنما في توسيع البدائل والحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الاقتصادية والسياسية.

القمة تفتح الأبواب.. فمن يحوّلها إلى مشروعات؟

لا توجد قبل انعقاد القمة وصدور بيانها الختامي قائمة رسمية مؤكدة بمشروعات مصرية جديدة ستنتج مباشرة عن اجتماعات نيودلهي. ولذلك سيكون من غير الدقيق تقديم مشروعات الطاقة أو الغذاء أو المدفوعات أو المدن المستدامة باعتبارها اتفاقات محسومة.

لكن هذه المجالات تمثل فرصاً تفاوضية حقيقية يمكن لمصر تحويلها إلى اتفاقات تنفيذية بشرط الدخول إلى القمة بقائمة واضحة من المشروعات ودراسات جدوى مكتملة ونماذج محددة للتمويل والتشغيل والمشاركة مع القطاع الخاص.

ويجب أن تحدد كل دراسة حجم الاستثمار ونسبة المكون المحلي وعدد فرص العمل وحجم الإنتاج المتوقع والأسواق المستهدفة وقدرة المشروع على تحقيق عائد أو توفير عملة أجنبية.

فالقمم السياسية تستطيع فتح الأبواب أمام المستثمرين والمؤسسات لكنها لا تستطيع أن تحل محل كفاءة الإدارة أو وضوح الإجراءات أو جودة المشروع.

بريكس فرصة للتنويع لا وصفة جاهزة للتنمية

من وجهة نظري فإن نجاح مشاركة مصر لا ينبغي أن يُقاس بعدد اللقاءات والبيانات وإنما بما يحدث بعدها.

فعضوية بريكس تفتح الباب لكنها لا تضمن المرور منه. والاستثمار سيتجه في النهاية إلى الاقتصاد الذي يمتلك قواعد مستقرة وإجراءات واضحة ومنافسة عادلة وقدرة على تنفيذ العقود وحماية حقوق جميع الأطراف.

وقد اتخذت مصر خلال عام 2026 خطوات لتسريع الإفراج الجمركي وتطوير منصة رقمية موحدة لتسجيل وترخيص وتشغيل الكيانات الاقتصادية وإدخال تعديلات تستهدف تعزيز استقلالية جهاز حماية المنافسة. وتكتسب هذه الإجراءات أهميتها لأنها تجعل الفرص السياسية أكثر قابلية للتحول إلى استثمارات فعلية.

لهذا يجب تقييم نتائج القمة وفق خمسة مؤشرات: حجم الاستثمارات الإنتاجية الجديدة وعدد فرص العمل ونسبة المكون المحلي وقيمة الصادرات المضافة ومدى انتقال التكنولوجيا إلى الشركات والعمالة المصرية.

فقمة نيودلهي تمنح القاهرة منصة مهمة لتوسيع علاقاتها وخياراتها الاقتصادية. لكن الاختبار الحقيقي سيبدأ بعد انتهاء الاجتماعات عندما تتحول اللقاءات إلى اتفاقات والاتفاقات إلى مصانع والمصانع إلى إنتاج وصادرات وفرص عمل.

فبريكس يستطيع أن يمنح مصر مساحة أوسع للحركة لكنه لا يقدم طريقاً مختصراً إلى التنمية. فالطريق الحقيقي يبدأ من الداخل بسياسة واضحة ومشروعات مدروسة واقتصاد قادر على تحويل العلاقات الدولية إلى إنتاج يصل أثره إلى حياة المواطن.