لم تعد مشكلة صناعة الأثاث المصرية، وفق رؤية وزارة الصناعة، مرتبطة بغياب المقومات بقدر ما تتعلق بكيفية تحويل هذه المقومات إلى قدرة فعلية على النمو والتصدير والمنافسة عالميًا.
فبينما يمتلك القطاع تاريخًا وسمعة ومهارات تراكمت عبر سنوات طويلة، يرى المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، أن هذه الإمكانات لم تُستغل بالكامل، وهو ما دفع الوزارة إلى طرح رؤية واسعة لا تركز على زيادة الإنتاج فقط، وإنما تمتد إلى مدخلات التصنيع والتصميم والعمالة والتسويق واللوجستيات.
وخلال لقاء الوزير مع عدد من مصنعي ومصممي الأثاث ومدخلات الإنتاج، جاءت 13 رسالة لتحدد ملامح التحرك المطلوب، من تعميق التصنيع المحلي وإحلال الواردات، إلى فتح أسواق جديدة في أفريقيا وليبيا والعراق، وبناء هوية خاصة للأثاث المصري تمكنه من المنافسة على أساس الجودة والتصميم وليس السعر وحده.
القطاع يمتلك المقومات
ويرى هاشم أن صناعة الأثاث واحدة من الصناعات المصرية العريقة التي تتمتع بتاريخ وسمعة عالمية ومقومات تنافسية كبيرة، بما يجعلها مؤهلة لتحقيق معدلات نمو قوية خلال الفترة المقبلة.
لكن هذه الصورة الإيجابية لا تعني أن القطاع وصل إلى أقصى طاقاته؛ إذ يؤكد الوزير أن صناعة الأثاث لم تحقق حتى الآن المستهدف المأمول مقارنة بحجم الإمكانات والقدرات الحقيقية التي تمتلكها، ما يفرض التحرك لمعالجة التحديات وتحقيق استفادة أكبر من تلك المقومات.
ومن هنا تبدو رؤية الوزارة قائمة على إعادة بناء المنظومة من الداخل، بدلًا من التعامل مع الصناعة باعتبارها مجرد مصانع ومنتجات نهائية.
مدخلات الإنتاج المحلية
أحد المحاور الأساسية التي طرحها وزير الصناعة يتمثل في تعميق التصنيع المحلي وإحلال الواردات، خاصة في المشروعات الكبرى، بما يزيد الاعتماد على المنتجات ومدخلات الإنتاج المحلية ويدعم الصناعة الوطنية.
وهذا التوجه لا ينفصل عن تصور أوسع لدى الوزارة لتطوير سلسلة صناعة الأثاث نفسها، إذ طرح هاشم دراسة إنشاء مناطق صناعية مؤهلة ومتكاملة تضم مختلف المدخلات والمكملات في موقع واحد، بدءًا من الأخشاب والإسفنج والزجاج والمعادن، وصولًا إلى مراكز البحث والتطوير والخدمات اللوجستية.
والهدف من هذا التجمع المقترح هو تقليل التكلفة وتسهيل عمليات التصنيع، من خلال تقارب حلقات الإنتاج بدلًا من تشتتها، بما يمكن أن يمنح المنتج النهائي قدرة أكبر على المنافسة.
من «الأرخص» إلى «الأكثر تميزًا»
ولا تضع الوزارة التصدير باعتباره مجرد زيادة في الكميات المباعة للخارج، بل تربطه بتطوير المنتج نفسه.
فزيادة الصادرات تمثل هدفًا رئيسيًا للمرحلة المقبلة، بحسب هاشم، لكن الوصول إليه يتطلب تطوير الأثاث المصري ليصبح أكثر قدرة على المنافسة في الأسواق الدولية، مع فتح أسواق تصديرية جديدة، خاصة في أفريقيا وليبيا والعراق.
ودعا الوزير إلى تذليل العقبات الجمركية واللوجستية أمام المصدرين، بالتوازي مع تفعيل المنصات الرقمية واستخدام أدوات التسويق الحديثة للوصول إلى العملاء والأسواق الخارجية.
لكن المنافسة، وفق الرؤية المطروحة، لا ينبغي أن تستند إلى السعر وحده؛ إذ شدد هاشم على ضرورة بناء هوية واضحة ومميزة للأثاث المصري، بما يرفع مكانته في الأسواق العالمية ويمنحه عناصر تفوق تتجاوز انخفاض السعر.
التصميم والحرفي
في المقابل، لا تكتمل عملية تطوير المنتج من دون التعامل مع التصميم والمهارات البشرية باعتبارهما جزءًا من القيمة الاقتصادية للأثاث.
وأكد الوزير أهمية زيادة الربط بين المصممين والمصنعين، باعتبار أن التصميم يمثل قيمة مضافة كبيرة ويمكن أن يصبح أحد عناصر تميز المنتج المصري عالميًا.
وشدد على تطوير مهارات الحرفيين والعمالة الفنية للحفاظ على جودة المنتج واستمراريتها، من خلال برامج تدريبية متخصصة تتناسب مع احتياجات الصناعة الحديثة.
وتتسع هذه الرؤية لتشمل الورش الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل جانبًا مهمًا من النشاط، إذ أكد هاشم أهمية وضع برنامج شامل لدعمها عبر التدريب ورفع الكفاءة، إلى جانب تطبيق آليات للحوكمة والرقابة وضبط الجودة.
المنافسة العالمية
الرسائل التي طرحها وزير الصناعة تكشف أن التعامل مع صناعة الأثاث لا يستهدف معالجة مشكلة منفردة، وإنما إعادة ترتيب حلقات الصناعة بالكامل؛ من مدخلات الإنتاج والتجمع الصناعي، إلى التصميم والعمالة والجودة، ثم التسويق والتصدير.
ولهذا أكد هاشم أن الوزارة تعتمد على التحرك الميداني والتواصل المباشر مع المصنعين والخبراء للتعرف على التحديات الفعلية، وتحويل الاحتياجات التي يتم رصدها إلى خطط عمل تنفيذية محددة.
وفي النهاية، تضع الوزارة المنافسة العالمية باعتبارها الهدف المحوري لهذه التحركات، عبر تكاتف الدولة والقطاع الخاص لزيادة الإنتاج وتحسين الجودة وتعزيز صادرات الأثاث المصري.
