أكد اللواء عادل العمدة، الخبير العسكري والاستراتيجي، أن تجمع البريكس شهد تطورًا استراتيجيًا متدرجًا منذ نشأته كفكرة اقتصادية عام 2001، وصولًا إلى تحوله إلى تكتل يضم قوى اقتصادية وسياسية كبرى، مشيرًا إلى أن انضمام مصر إلى التجمع عام 2024 يمثل تحولًا مهمًا في السياسة الاقتصادية والخارجية المصرية، ويفتح أمام القاهرة آفاقًا أوسع لتنويع الشراكات الدولية وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية.
البريكس.. من فكرة اقتصادية إلى تكتل استراتيجي
وأوضح اللواء عادل العمدة في تصريح خاص لـ"خمسة سياسة"، أن مسار البريكس مر بعدة مراحل رئيسية، بدأت عام 2001 عندما كان مجرد فكرة اقتصادية تحت مسمى «بريك»، ثم تطور عام 2006 إلى تنسيق حكومي، وصولًا إلى عقد أول قمة لقادة الدول الأربع، الهند وروسيا والصين والبرازيل، عام 2009.
وأضاف "العمدة"، أن عام 2011 شهد انضمام جنوب أفريقيا إلى التجمع، بينما مثل عام 2014 محطة مهمة من خلال إنشاء بنك التنمية الجديد وترتيبات الاحتياطي، ثم جاء عام 2023 ليشهد قرار التوسع الكبير في عضوية البريكس.
وأشار إلى أن عام 2024 شهد انضمام مصر وإيران وإثيوبيا والإمارات إلى التجمع، بالتزامن مع قمة كازان، فيما شهد عام 2025 انضمام إندونيسيا كعضو كامل، إلى جانب إطلاق نظام الدول الشريكة، وصولًا إلى القمة الثامنة عشرة التي تستضيفها الهند يومي 12 و13 سبتمبر 2026.
عضوية مصر.. توسيع الشراكات وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية
وأكد الخبير العسكري والاستراتيجي أن انضمام مصر إلى البريكس عام 2024 يمثل تحولًا مهمًا في السياسة الاقتصادية والخارجية المصرية، إذ يتيح للقاهرة العمل داخل تجمع يضم قوى اقتصادية وسياسية كبرى، مثل الصين والهند وروسيا والبرازيل، إلى جانب قوى إقليمية مثل إيران والإمارات وإثيوبيا وإندونيسيا.
ولفت "العمدة"، إلى أن أهمية العضوية المصرية تتجاوز مجرد الانضمام إلى تكتل اقتصادي، حيث تستطيع القاهرة توظيفها في ثلاثة مسارات رئيسية، تتمثل في:
أولًا: المسار الاقتصادي، من خلال جذب الاستثمارات وتمويل مشروعات التنمية عبر بنك التنمية الجديد، بما يدعم جهود التنمية الاقتصادية المصرية.
ثانيًا: المسار السياسي، عبر دعم توجه مصر نحو نظام دولي أكثر تعددية، وزيادة هامش الحركة الدبلوماسية المصرية، وتعزيز حضورها داخل المحافل الدولية المؤثرة.
ثالثًا: المسار الاستراتيجي، من خلال الربط بين موقع مصر في أفريقيا والشرق الأوسط والبحر المتوسط، وقناة السويس، وبين شبكات التجارة والاستثمار لدول البريكس.
وشدد "العمدة"، على أن البريكس بالنسبة لمصر ليست مجرد عضوية اقتصادية، وإنما أداة لتنويع الشراكات الدولية وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية المصرية، والاستفادة من الموقع الجغرافي والاقتصادي للدولة في دعم علاقاتها مع القوى الدولية والإقليمية.
قمة البرازيل 2025.. التحدي بين التوسع وبناء الآليات الفاعلة
وحول آخر قمة سابقة للتجمع، أوضح اللواء عادل العمدة، أن القمة السابعة عشرة استضافتها البرازيل عام 2025، وكانت أول قمة كبرى للمجموعة بعد دخول إندونيسيا كعضو كامل، مشيرًا إلى أن التحدي الرئيسي أمام البريكس أصبح يتمثل في الانتقال من مجرد توسيع العضوية إلى بناء آليات أكثر فاعلية.
وأضاف "العمدة"، أن القمة ناقشت عددًا من الملفات المهمة، في مقدمتها تعزيز التجارة بين الدول الأعضاء، واستخدام العملات المحلية وأنظمة الدفع البديلة، وتمويل التنمية، إلى جانب الذكاء الاصطناعي والطاقة وتغير المناخ، فضلًا عن إصلاح المؤسسات الدولية.
قمة نيودلهي 2026.. ملفات دولية معقدة وتوجه نحو عالم متعدد الأقطاب
وفيما يتعلق بالقمة الثامنة عشرة التي تستضيفها نيودلهي يومي 12 و13 سبتمبر 2026، قال الخبير العسكري والاستراتيجي، إنها تأتي في ظرف دولي بالغ التعقيد، في ظل تطورات سياسية واقتصادية وأمنية متسارعة، ومن المنتظر أن تناقش عددًا من الملفات المؤثرة في مستقبل النظام الدولي.
وأوضح "العمدة"، أن أبرز القضايا المطروحة تشمل الحرب الروسية–الأوكرانية، والحرب والتوترات المرتبطة بإيران، والتنافس الأمريكي–الصيني، إلى جانب أزمة الطاقة واضطرابات التجارة العالمية والعقوبات الاقتصادية، فضلًا عن مستقبل النظام المالي الدولي وقضية هيمنة الدولار، والتحول نحو عالم متعدد الأقطاب.
وأشار "العمدة"، إلى أن الهند، باعتبارها الدولة المضيفة للقمة، تحاول التركيز على المرونة والابتكار والتعاون والاستدامة، مع الدفع نحو تعزيز التعاون في مجالات الاقتصاد الرقمي والمدفوعات والتجارة والتنمية.
مصر تتطلع إلى رئاسة البريكس.. وأمن الغذاء والمياه والطاقة في صدارة الأولويات
وفي سياق متصل، أشار اللواء عادل العمدة إلى أن مصر تتطلع إلى رئاسة تجمع البريكس، بما يعكس أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه القاهرة داخل تكتل يضم قوى اقتصادية وسياسية كبرى، ويستحوذ على نحو 40% من حجم التجارة العالمية، فيما يتجاوز عدد سكان دوله 45% من سكان العالم.
وأوضح "العمدة"، أن تطلع مصر إلى رئاسة التجمع لا ينفصل عن رؤيتها لتعزيز التعاون الدولي وتنويع الشراكات، وإنما يرتبط كذلك بطرح ملفات تمس مصالح الشعوب والدول الأعضاء، وفي مقدمتها الأمن الغذائي والأمن المائي وأمن الطاقة، باعتبارها ثلاثة ملفات رئيسية تتقاطع فيها الأبعاد الاقتصادية والاستراتيجية والتنموية.
وأكد "العمدة"، أن هذه الملفات تمثل، في الوقت نفسه، حلمًا وواقعًا أمام الإدارة المصرية لتجمع البريكس، إذ إن تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في مجالات الغذاء والمياه والطاقة يمكن أن يدعم قدرتها على مواجهة التحديات الدولية، ويفتح آفاقًا أوسع للتنمية المستدامة، بما يعزز من فاعلية التجمع ودوره في النظام الدولي.
البريكس.. نحو دور أكثر تأثيرًا في النظام الدولي
واختتم اللواء عادل العمدة تصريحه بالتأكيد على أن التطور الذي شهده تجمع البريكس يعكس انتقاله من إطار اقتصادي محدود إلى تكتل يسعى إلى توسيع حضوره وتأثيره في القضايا الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية الدولية.
وأضاف "العمدة"، أن المرحلة المقبلة ستتطلب تحويل التوسع في العضوية إلى تعاون أكثر فاعلية، من خلال تطوير آليات التمويل والتجارة والمدفوعات، وتعزيز التنسيق بين الدول الأعضاء، بما يدعم قدرتها على التعامل مع التحديات الدولية، ويفتح المجال أمام بناء نظام دولي أكثر تعددية وتوازنًا.
