فولا يختبر معادلة القاهرة في حوض النيل.. متى تقبل مصر السدود ومتى ترفضها؟
لم تعد قضية السدود في حوض النيل بالنسبة إلى القاهرة مرتبطة بمجرد إنشاء منشأة مائية جديدة، وإنما بالطريقة التي تُتخذ بها القرارات المتعلقة بها، وما إذا كانت الدول المتشاطئة تحصل على حقها في المعرفة والمشاركة وتقييم التأثيرات قبل بدء التنفيذ.
هذه المعادلة ظهرت بوضوح في موقف مصر من مشروع «جراند فولا» في جنوب السودان، بعدما أعلنت القاهرة دعمها للمشروع، في وقت تواصل فيه اعتراضها على ما تصفه بالتشغيل الأحادي لسد النهضة الإثيوبي.
المفارقة بين الموقفين تفتح بابًا أوسع لفهم السياسة المصرية تجاه مشروعات المياه في حوض النيل: القاهرة لا تضع السدود باعتبارها المشكلة في حد ذاتها، وإنما تضع آلية إنشائها وتشغيلها وتأثيراتها على الدول الأخرى في قلب الخلاف.
فولا.. لماذا قالت القاهرة نعم؟
خلال لقاء نظمته الهيئة العامة للاستعلامات مع أكثر من 80 مراسلًا أجنبيًا يمثلون نحو 45 وسيلة إعلامية، تحدث وزير الموارد المائية والري هاني سويلم عن مشروع «جراند فولا»، مؤكدًا دعم مصر لجهود جنوب السودان التنموية.
وأوضح سويلم أن المشروع خضع لدراسة آثاره المحتملة، إلى جانب مسار من تبادل المعلومات والتشاور بين الأطراف، بما سمح للقاهرة بتكوين رؤية بشأن انعكاساته قبل الانتقال إلى مراحل الدعم والتنفيذ.
وهنا تظهر النقطة التي تريد مصر إبرازها: وجود مشروع سد في دولة من دول حوض النيل لا يعني تلقائيًا وجود موقف مصري رافض.
فجنوب السودان، وفق الرؤية المصرية المعلنة، يمتلك حقًا في البحث عن مصادر للطاقة وتنفيذ مشروعات تنموية تساعده على تطوير بنيته الأساسية وتحسين قدرته على توليد الكهرباء.
لكن هذا الحق، من وجهة نظر القاهرة، لا ينفصل عن حقوق الدول الأخرى التي قد تتأثر بالمشروع.
من «السد» إلى «طريقة إدارة السد»
بهذا المعنى، تحاول القاهرة نقل النقاش من سؤال: «هل ستبني دولة من دول الحوض سدًا؟» إلى سؤال آخر أكثر تعقيدًا: «كيف ستبني السد؟ وكيف ستتعامل مع الدول التي يمكن أن تتأثر به؟».
وهنا تضع مصر مجموعة من العناصر باعتبارها أساسًا للتعامل مع المشروعات المائية على الأنهار المشتركة، من بينها الإخطار وتبادل المعلومات وإجراء الدراسات الفنية وتقييم الآثار والتشاور بين الدول المعنية.
وبحسب التصريحات المصرية، كان مشروع فولا أقرب إلى هذا المسار، وهو ما أتاح للقاهرة إعلان دعمه بدلًا من التعامل معه باعتباره تهديدًا للمصالح المصرية.
النهضة.. لماذا تبدو الصورة مختلفة؟
في المقابل، تستمر مصر في رفض ما تصفه بالتصرفات الإثيوبية الأحادية المرتبطة بسد النهضة، وتتمسك بضرورة وجود إطار قانوني ملزم يحدد قواعد الملء والتشغيل.
وبالتالي، فإن الفارق الذي تطرحه القاهرة بين فولا والنهضة لا يقوم، وفق خطابها الرسمي، على حجم السد أو موقعه أو الدولة التي تنفذه، وإنما على المسار الذي سبق اتخاذ القرار وكيفية إدارة آثاره العابرة للحدود.
وتؤكد مصر أن المبدأ الذي تتحدث عنه ينطبق على جميع دول حوض النيل، وأنها لا تطالب بمعاملة خاصة لنفسها، وإنما بتطبيق قواعد القانون الدولي المتعلقة بالمجاري المائية المشتركة.
القاهرة لا تغلق باب التنمية
هذه الرسالة تكتسب أهمية أكبر في ظل محاولة مصر التأكيد على أنها لا تقف ضد التنمية في دول حوض النيل.
فإلى جانب دعم مشروع فولا، تحدث وزير الري عن موافقة مصر على دعم جهود تعبئة التمويل لحزمة تضم 36 مشروعًا في دول جنوب حوض النيل، بعد دراسة هذه المشروعات وتبادل المعلومات بشأنها وتقييم آثارها وإجراء المشاورات اللازمة.
وتتوزع المشروعات، بحسب ما أعلنته القاهرة، بين الطاقة الكهرومائية والربط ونقل الكهرباء وإمدادات المياه ومشروعات متعددة الأغراض.
وتقدم مصر هذه المشروعات باعتبارها نموذجًا لإمكانية الجمع بين التنمية والتعاون الإقليمي، بدلًا من تحويل كل مشروع مائي إلى نقطة صدام بين دول الحوض.
لماذا تتحرك القاهرة بهذه الرسالة الآن؟
تأتي هذه المواقف في ظل بيئة إقليمية تتزايد فيها مشروعات استغلال الموارد المائية والطاقة في حوض النيل، بينما ترى مصر أن وضعها المائي يجعل أي تغيير كبير في إدارة موارد النهر قضية تتجاوز حدود التنمية المحلية.
وخلال اللقاء ذاته، أشار سويلم إلى أن حوض النيل يستقبل نحو 2000 مليار متر مكعب من الأمطار سنويًا، بينما يصل إلى أسوان نحو 84 مليار متر مكعب فقط، أي ما يعادل نحو 4 إلى 5% من إجمالي الأمطار التي تهطل على الحوض.
كما أشار إلى أن حصة مصر البالغة 55.5 مليار متر مكعب تمثل نحو 2.7% من إجمالي الأمطار على الحوض.
وتستخدم القاهرة هذه الأرقام لتوضيح طبيعة موقفها من قضية المياه، في مواجهة التصورات التي تختزل المشكلة في مسألة توزيع حصص النهر فقط.
فولا.. أكثر من مشروع في جنوب السودان
لذلك، فإن الإعلان المصري بشأن فولا يحمل دلالة تتجاوز المشروع نفسه.
فالقاهرة تحاول من خلاله تثبيت قاعدة سياسية مفادها أن دعم التنمية في دول حوض النيل لا يتعارض مع حماية المصالح المائية المصرية، طالما جرى التعامل مع المشروعات العابرة للحدود من خلال التشاور وتبادل البيانات وتقييم الآثار.
وفي المقابل، ترى مصر أن تنفيذ مشروع مائي كبير بصورة منفردة، من دون إطار ينظم تأثيراته على الدول الأخرى، يدخل في منطقة مختلفة تمامًا.
ومن هنا يصبح «فولا» حالة اختبار أكثر منه مجرد مشروع تنموي.
هل يصبح فولا نموذجًا جديدًا؟
إذا استمر المشروع في المراحل المقبلة وفق الآليات التي تتحدث عنها القاهرة، فقد يتحول إلى مثال تستخدمه مصر لإثبات إمكانية بناء مشروعات مائية في حوض النيل من دون أن تتحول تلقائيًا إلى أزمات بين دول المنطقة.
لكن الاختبار الحقيقي سيبدأ مع الانتقال من مرحلة الدراسات والمشاورات إلى مراحل التمويل والتنفيذ والتشغيل.
عندها ستتضح قدرة الأطراف على الحفاظ على مستوى التنسيق نفسه، ومدى استمرار تبادل المعلومات والتقييمات الفنية والبيئية.
وفي هذه النقطة تحديدًا، تتجاوز قصة فولا حدود جنوب السودان، لتصبح جزءًا من معركة أوسع حول القواعد التي ينبغي أن تحكم مشروعات المياه في حوض النيل: هل تكون القرارات منفردة، أم أن التنمية المائية يمكن أن تتحول إلى مشروع مشترك تحكمه المعلومات والتشاور والقانون؟
وبالنسبة إلى القاهرة، يبدو أن الرسالة التي تريد تثبيتها واضحة: ليست كل السدود سواء، والفارق يبدأ من الطريقة التي تُبنى بها وتُدار بها علاق
