أكد فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، أن الحديث عن الهوية الوطنية يكتسب أهمية خاصة في ظل تعدد التحديات الفكرية والثقافية والاجتماعية التي تواجه المجتمعات المعاصرة، مشيرًا إلى أن تناول قضية الهوية يحتاج إلى تكامل بين مختلف التخصصات والخبرات، بما يتيح الإحاطة بأبعادها والوصول إلى نتائج أكثر دقة واتزانًا.

جاء ذلك خلال كلمة فضيلته في الجلسة النقاشية التي عُقدت بعنوان «خطاب تيارات الإسلام السياسي إسلاميًّا وسياسيًّا تجاه الهوية المصرية»، ضمن فعاليات المؤتمر الوطني «الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة»، الذي تستضيفه مكتبة الإسكندرية تحت رعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية.

الهوية المصرية.. بناء تاريخي وحضاري متكامل

وأوضح مفتي الجمهورية أن الهوية المصرية ليست مكونًا أحاديًّا يمكن اختزاله في إطار محدد، وإنما هي بناء تاريخي وحضاري متكامل شاركت في تشكيله عناصر متعددة، تشمل الدين والوطن والتاريخ واللغة والأعراف والعادات، إلى جانب النسيج الاجتماعي الذي جمع المصريين عبر مراحل تاريخهم المختلفة.

وشدد فضيلته على ضرورة النظر إلى هذه المكونات في إطارها المتكامل، مؤكدًا أن تكاملها هو ما يمنح الهوية المصرية قدرتها على الاستمرار والتجدد، كما لفت إلى أن القضايا الكبرى المرتبطة بالهوية المصرية والظواهر الفكرية والسياسية لا يمكن تناولها من زاوية واحدة، وإنما تستلزم الجمع بين الرؤى التاريخية والسياسية والدينية والاجتماعية.

مواجهة المفاهيم المغلوطة والسرديات المضللة

وأشار مفتي الجمهورية إلى أهمية التعامل مع مكونات الهوية انطلاقًا من وعي عميق بتاريخ مصر وخصوصيتها الحضارية، محذرًا من بعض السرديات المضللة والمفاهيم المغلوطة التي قد تؤدي إلى إضعاف السردية المصرية أو تفريغ الهوية الوطنية من بعض عناصرها.

وفي هذا السياق، أوضح فضيلته أن قراءة التاريخ المصري تكشف عن حضور مبكر لمفاهيم دينية وأخلاقية وفكرية عميقة، مستشهدًا بما ورد في الموروث المصري القديم من تصورات تتصل بالثواب والعقاب والحساب وما بعد الموت والوصايا والقيم الأخلاقية، بما يعكس عمق البعد الديني في الحضارة المصرية.

ونبَّه إلى أن مواجهة المفاهيم المغلوطة تمثل ضرورة لبناء وعي وطني سليم، خاصة في ظل بعض القراءات التي تسعى إلى عزل الحضارة المصرية عن امتدادها الفكري والفلسفي أو اختزالها في سرديات ضيقة، مؤكدًا أن فهم المجتمع لتاريخه وذاته وموقعه الحضاري يمثل أساسًا لتعزيز الهوية الوطنية.

الخطاب الرشيد في مواجهة التطرف الفكري

وتطرق مفتي الجمهورية إلى خطورة بعض المفاهيم الوافدة التي يمكن توظيفها بصورة تؤدي إلى تفكيك عناصر الوحدة الوطنية أو إعادة تفسيرها بعيدًا عن سياقاتها التاريخية والحضارية.

وأكد أن مواجهة التطرف الفكري لا تعني الانغلاق أمام العالم أو رفض التفاعل مع الثقافات الأخرى، وإنما تقتضي امتلاك القدرة على التمييز بين الانفتاح الذي يثري المجتمع، والمفاهيم التي تستهدف إضعاف تماسكه.

كما حذر فضيلته من الوسائط الحديثة التي يمكن أن تتحول إلى أدوات لتغذية الفكر المتطرف ونشر المفاهيم المغلوطة، ومن بينها إعادة إنتاج تصورات تقوم على تقسيم المجتمعات إلى «دار إسلام» و«دار حرب»، أو الخلط بين بعض المصطلحات المتعلقة بالأسرة والعلاقات الاجتماعية، مشيرًا إلى أن التأصيل التاريخي والفكري لهذه الطروحات يساعد على التعامل معها بصورة علمية بعيدًا عن التعميم أو إسقاط المفاهيم خارج سياقاتها.

التلازم بين الانتماء الديني والانتماء الوطني

وشدد مفتي الجمهورية على أن التنوع والتعدد في الخطاب الفكري والديني ينبغي استثمارهما في إطار من الوعي بالسياق واحترام الخصوصيات، بما يحقق التوازن بين رفض أحادية الرأي وإقصاء التعدد الفكري من جهة، والحفاظ على الهوية ومرجعياتها وقيمها من جهة أخرى.

وأكد أن الخطاب الرشيد يراعي اختلاف البيئات والسياقات، ويخاطب كل فئة بما يتناسب مع واقعها وخصوصيتها، في إطار من الاحترام المتبادل وصون الكرامة الإنسانية، مستشهدًا بالتجربة المصرية وما تزخر به من تاريخ في التعايش والتنوع الثقافي والفكري، وترسيخ قيم الحوار والاعتدال ورفض الإكراه.

وفي السياق ذاته، أوضح فضيلته أن الحكم على الإسلام من خلال ممارسات بعض المنتسبين إليه أمر غير منضبط علميًّا، مؤكدًا ضرورة التفريق بين الدين وبين سلوكيات وأفكار بعض المنتسبين إليه لفهم الخطاب الديني بصورة صحيحة.

كما بيَّن أن الدين يؤسس لمعاني الانتماء والمسؤولية تجاه الوطن، بينما تنظم المواطنة علاقة الإنسان بوطنه ومجتمعه في إطار من الحقوق والواجبات المشتركة، مستشهدًا بما أرسته التجربة النبوية في المدينة من تنظيم للعلاقات بين مكونات المجتمع على أساس التعايش والتعاون والمسؤولية المشتركة.

حماية الهوية مسؤولية مشتركة بين مؤسسات الدولة والمجتمع

وأكد مفتي الجمهورية أن حماية الهوية الوطنية مسؤولية تشاركية تتكامل فيها أدوار المؤسسات الدينية والثقافية والتعليمية والإعلامية والمجتمعية، بما يضمن بناء وعي قادر على فهم التاريخ والتعامل مع المتغيرات دون قطيعة مع الجذور.

واختتم فضيلته بالتأكيد على أن تجديد الخطاب لا يعني الانفصال عن الثوابت، وأن الانفتاح لا يعني الذوبان، فيما يرتبط الحفاظ على الهوية بامتلاك وعي نقدي قادر على التمييز بين التنوع الذي يثري المجتمع والمفاهيم التي تستهدف تفكيك عناصر تماسكه، بما يعزز الانتماء الوطني ويحفظ وحدة المجتمع ويجدد قدرة الهوية المصرية على الاستمرار مع الحفاظ على جذورها الراسخة.

حضور واسع من المسؤولين والمفكرين

وشهدت الجلسة حضور عدد من الشخصيات العامة والمسؤولين والمفكرين، من بينهم المهندس أيمن عطية، محافظ الإسكندرية، والأستاذ الدكتور أحمد النبوي، الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، نائبًا عن وزير الأوقاف، والسفير علاء يوسف، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، والدكتور عمرو الورداني، رئيس لجنة الشئون الدينية بمجلس النواب، والأستاذ أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام.

كما شارك في فعاليات الجلسة الأستاذ الدكتور عبد الواحد النبوي، وزير الثقافة الأسبق، والدكتور أسامة هيكل، وزير الإعلام الأسبق، والأستاذ حلمي النمنم، وزير الثقافة الأسبق، والدكتور ثروت الخرباوي، الخبير في شئون تيارات الإسلام السياسي، والدكتور أحمد زايد، رئيس مكتبة الإسكندرية، واللواء أركان حرب خالد فودة، مستشار رئيس الجمهورية للتنمية المحلية، والدكتور أشرف عزازي، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، والأستاذ منير فخري عبد النور، وزير السياحة الأسبق، إلى جانب عدد من المفكرين والباحثين والأكاديميين والإعلاميين والشخصيات العامة المشاركين في فعاليات المؤتمر.