فتحت وزارة الإسكان، خلال الأيام الماضية، باب التقديم على واحد من أكبر الطروحات السكنية هذا العام، بإجمالي 25 ألف وحدة موزعة بين صندوق الإسكان الاجتماعي وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، من بينها 15 ألف شقة حملت الإعلانات عنها عنوان "الإيجار التمليكي". لكن قراءة تفاصيل كراسة الشروط تكشف أن الرقم الأكبر من الطرح لا يحمل بالضرورة الوعد ذاته الذي يحمله اسمه، وتطرح تساؤلًا عمليًا يشغل آلاف المتقدمين: كم سيدفع المواطن فعليًا؟ ومتى تنتقل ملكية الوحدة إليه؟
طرح مزدوج تحت مسمى واحد
يتوزع الطرح الجديد على مسارين مختلفين في الآلية والالتزامات، وإن جمعتهما وسائل الإعلان تحت وصف "الإيجار التمليكي":
المسار الأول: 15 ألف وحدة تابعة لصندوق الإسكان الاجتماعي ضمن مبادرة "سكن لكل المصريين 9"، ويعمل بنظام الإيجار المدعوم لمحدودي الدخل، مع فتح باب التقديم لذوي الهمم من 20 إلى 27 سبتمبر، ثم لعموم المواطنين من 28 سبتمبر حتى 28 أكتوبر، عبر منصة مصر الرقمية.
المسار الثاني: 10 آلاف وحدة تطرحها هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة في 26 مدينة جديدة، بنظام الإيجار المنتهي بالتملك تحديدًا، منها 5 آلاف وحدة جاهزة للتسليم الفوري، و5 آلاف أخرى قيد التنفيذ يُنتظر تسليمها خلال ثلاث سنوات، ويستمر التقديم عليها حتى 19 أكتوبر عبر بوابة "مسكن".
هذا الانقسام بين مسار إيجاري بحت ومسار ينتهي بالتمليك هو ما يجعل الإجابة عن سؤال "متى تصبح الشقة ملكًا للمواطن؟" تختلف تمامًا بحسب الوحدة التي يتقدم عليها المواطن، وهي تفرقة لا تنتبه إليها كثير من الإعلانات المتداولة.
كم يدفع المواطن عند التقديم؟
تتقارب المبالغ المطلوبة في المسارين عند التقديم، وإن اختلفت تفاصيلها الدقيقة:
مصروفات تسجيل غير مستردة، تراوحت الإعلانات في تقديرها بين 350 و365 جنيهًا، تُسدد عبر منصة التقديم الإلكترونية.
تأمين للوحدة بقيمة 10 آلاف جنيه، يُسدد عبر مكاتب البريد الميكنة، ويُرد للمتقدم في حال رفض طلبه أو بعد انتهاء مدة الإيجار وفق الضوابط المحددة في كراسة الشروط.
مقدم شهر إيجار، يُسدد بعد تخصيص الوحدة واستكمال إجراءات التعاقد، إضافة إلى رسوم التحصيل المقررة.
رسوم صيانة وإدارة وتحصيل شهرية، حُددت في وحدات "سكن لكل المصريين 9" بنحو 250 جنيهًا، منفصلة عن قيمة الإيجار ذاتها.
زيادة سنوية على قيمة الإيجار بنسبة 7%، تسري على الوحدتين معًا بحسب ما جاء في تفاصيل الطرح.
أما القيمة الإيجارية الشهرية نفسها، فلم تحددها وزارة الإسكان برقم موحد لكل الوحدات، وتركتها لكراسة الشروط الخاصة بكل مشروع على حدة بحسب الموقع والمساحة ومستوى الدعم المقرر للمستفيد، وإن أشارت تقديرات متداولة إلى متوسط يقترب من 1500 جنيه شهريًا في بعض المشروعات.
شروط الاستحقاق: سقف دخل واحد لمخرجات مختلفة
اتفق المساران على أبرز شروط الأهلية، رغم اختلاف آلية الانتفاع النهائية:
ألا يتجاوز صافي دخل الأسرة من جميع مصادره 16 ألف جنيه شهريًا.
أن يكون المتقدم، أو الزوج أو الزوجة بحسب الحالة، من مواليد المحافظة أو المدينة المطروح بها الوحدة، أو من العاملين أو المقيمين فيها.
عدم حصول المتقدم أو أي من أفراد أسرته سابقًا على وحدة سكنية أو قطعة أرض من الدولة بأي صورة من صور الدعم السكني.
عدم جواز تقدّم الأسرة الواحدة لأكثر من وحدة ضمن الإعلان نفسه.
تقديم مستندات إثبات الدخل، سواء مفردات مرتب للعاملين بالقطاعين الحكومي والخاص، أو شهادة من محاسب قانوني لأصحاب المهن الحرة والأنشطة التجارية.
ويحصل المستفيدون في مسار "سكن لكل المصريين 9" على دعم إيجار يصل إلى 100 ألف جنيه كحد أقصى طوال مدة الانتفاع، يتحدد وفق مستوى الدخل ومساحة الوحدة، وهو دعم يخفّض القيمة الإيجارية الفعلية دون أن يمنح صاحبه بالضرورة مسارًا معلنًا نحو التمليك.
فمتى تصبح الوحدة ملكًا للمواطن؟
هنا يكمن الفارق الجوهري بين المسارين. ففي وحدات هيئة المجتمعات العمرانية بنظام الإيجار المنتهي بالتملك، تبدأ مدة التعاقد بثلاث سنوات قابلة للتجديد لمدة أخرى، ولا تنتقل الملكية إلى المستفيد إلا بعد انتهاء المدة الإيجارية المقررة كاملة واستيفائه كل الشروط والقواعد المنظمة لذلك، مع إمكانية استمراره في الحصول على الدعم إذا ظل مستحقًا له بعد انتهاء الفترة الأولى. كما تخضع أولوية تخصيص هذه الوحدات لمعايير محددة تشمل مدة الزواج، ثم مستوى الدخل الأقل، ثم السن، فضلًا عن التزام المستفيد بسداد تأمين يعادل قيمة إيجار ثلاثة أشهر إلى جانب القيمة الإيجارية الشهرية.
في المقابل، لا تتضمن تفاصيل مسار "سكن لكل المصريين 9" ـ وهو المسار الذي حمل عنوان "الإيجار التمليكي" في أغلب الإعلانات الخاصة بالـ15 ألف وحدة ـ أي إشارة صريحة إلى مسار زمني أو آلية محددة لانتقال ملكية الوحدة إلى المستفيد. فما هو معلن رسميًا يقتصر على نظام دعم إيجاري بسقف مالي وسنوات انتفاع، دون التزام واضح بتحويل صفة المستفيد من مستأجر إلى مالك، وهو ما يترك الباب مفتوحًا أمام تساؤل مشروع لدى المتقدمين عن مصير الوصف الذي تُسوَّق به هذه الوحدات.
هذا الغموض ليس منفصلًا عن ملف أوسع لا يزال بلا إجابة رسمية؛ إذ سبق أن تقدّم أحد النواب بسؤال برلماني إلى الحكومة حول ثغرات في شروط الاستحقاق بنظام الإيجار المنتهي بالتملك في طرحه السابق، شملت شرط السن الذي يستبعد الأرامل والمطلقات، وصعوبة إثبات الدخل أمام العمالة غير المنتظمة، والتكلفة الإجمالية للوحدة على مدى عشرين عامًا، وأولوية القرعة، وضمانة انتقال الملكية قانونًا للمستفيد، دون أن تصدر الحكومة حتى الآن ردًا رسميًا على هذا السؤال.
سؤال معلق أمام آلاف المتقدمين
بين مسار يحدد بوضوح متى تنتقل الملكية وبأي شروط، ومسار آخر يحمل اسم "التمليك" في الإعلان دون أن يوضح آلية له، يبقى السؤال مطروحًا: هل تنوي وزارة الإسكان توحيد المسارين لاحقًا بمنح مستأجري "سكن لكل المصريين 9" خيار التملك بعد سنوات الانتفاع، أم أن الاسم المتداول إعلاميًا أوسع من الالتزام الرسمي المكتوب في كراسة الشروط؟ وحتى تُحسم هذه النقطة، يظل عشرات آلاف المتقدمين بين مسارين: أحدهما يعرف بدقة متى يصبح مالكًا، والآخر ينتظر إجابة لم تُصَغ بعد.
