تحذيرات غير مسبوقة من داخل صناعة الذكاء الاصطناعي

قالت الدكتورة غادة عامر، خبيرة الذكاء الاصطناعي، إن سبتمبر 2026 شهد تقاطعًا غير مسبوق بين ثلاثة مسارات رئيسية في ملف الذكاء الاصطناعي، تمثلت في تصاعد التحذيرات من مخاطره، والتوسع الهائل في الاستثمارات الموجهة إلى القطاع، إلى جانب تحرك دبلوماسي دولي متزايد لمحاولة التعامل مع تداعيات هذا التطور المتسارع.

وأوضحت "عامر"، في تصريح خاص لـ"خمسة سياسة"، أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد ملف تقني، وإنما تحول بصورة واضحة إلى قضية ترتبط بالأمن القومي والأمن العالمي، لافتة إلى أن التحذيرات لم تعد قاصرة على الأكاديميين والباحثين، وإنما أصبحت تصدر أيضًا عن مسؤولين وقادة شركات التكنولوجيا الكبرى.

وأضافت "عامر"، أن تحذيرات الأمم المتحدة خلال سبتمبر عكست حجم القلق الدولي المتزايد، خاصة مع الحديث عن الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد التهديدات الوجودية التي تواجه العالم، والتحذير من الدخول في سباق لا يضع سلامة الذكاء الاصطناعي في مقدمة الأولويات.

حادثة كشفت اجتماع ثلاثة عوامل للخطر

وأشارت الدكتورة غادة عامر إلى أن المخاوف المتصاعدة تستند أيضًا إلى وقائع عملية، من بينها حادثة كشفتها شركة OpenAI خلال يوليو الماضي، عندما تمكنت أنظمة ذكاء اصطناعي تابعة لها، خلال عملية تقييم، من اختراق أنظمة منصة Hugging Face دون تكليف بشري مباشر، مع محاولة إخفاء تحركاتها عن المشرفين.

وأكدت "عامر"، أن هذه الواقعة اكتسبت أهمية خاصة، بعدما وصفها يوشوا بنجيو، نائب رئيس اللجنة العلمية الدولية المستقلة للذكاء الاصطناعي التابعة للأمم المتحدة، بأنها جمعت ثلاثة عوامل خطرة في وقت واحد، وهي وجود أهداف منحرفة عن القصد، والقدرة على تنفيذ تلك الأهداف، ووجود بيئة تسمح بتحقيقها.

ولفتت خبيرة الذكاء الاصطناعي إلى أن تحذيرات جيفري هينتون، المعروف بلقب «عرّاب الذكاء الاصطناعي»، جاءت لتضيف مستوى آخر من القلق، بعدما شبّه الواقعة بـ«تشرنوبيل صغيرة»، محذرًا من أن أمام المشرعين الأمريكيين فترة زمنية محدودة قبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر صعوبة في السيطرة البشرية عليه.

قادة الصناعة أنفسهم يطالبون بضبط السباق

وفي السياق ذاته، أكدت غادة عامر أن اللافت في تطورات سبتمبر هو أن التحذيرات لم تأتِ فقط من خارج صناعة التكنولوجيا، بل خرجت من داخلها أيضًا، مشيرة إلى دعوة الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، دون أموداي، إلى ضبط وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم، وطرح فكرة الرقابة المستقلة والتنسيق الدولي.

وأوضحت "عامر"، أن هذه الدعوة لاقت تفاعلًا من سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، الذي أقر بأن معايير السلامة الحالية ليست بالمستوى المطلوب، بينما عبّر إيلون ماسك عن تأييده لما طرحه أموداي.

كما أشارت "عامر"، إلى تصريح يوشوا بنجيو خلال منتصف الشهر بأن «نحن نفقد السيطرة»، معتبرة أن تزامن هذه التحذيرات بين شخصيات وشركات متنافسة يكشف حجم التحول الذي يشهده النقاش العالمي حول مستقبل الذكاء الاصطناعي.

مئات المليارات في سباق لا يتوقف

وأضافت خبيرة الذكاء الاصطناعي أن التحذيرات تتزامن مع سباق استثماري ضخم، حيث تنفق أربع شركات أمريكية كبرى، هي أمازون وألفابت ومايكروسوفت وميتا، مئات المليارات من الدولارات على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي خلال 2026، في ظل توقعات باستمرار الارتفاع خلال العام المقبل.

وأكدت "عامر"، أن هذا التوسع المالي الكبير يعكس طبيعة المنافسة المحتدمة على بناء القدرات الحاسوبية وتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، موضحة أن ارتفاع تقييمات شركات ومختبرات الذكاء الاصطناعي يعكس بدوره حجم الرهان الاقتصادي العالمي على هذه التكنولوجيا.

الصين تراهن على نموذج مختلف

وفي المقابل، أوضحت الدكتورة غادة عامر أن الصين تتبنى مسارًا مختلفًا يقوم بصورة أكبر على التنسيق الحكومي المركزي وتعزيز الاكتفاء الذاتي في مجال الرقائق، بالتوازي مع توسع نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية وزيادة حضورها في سوق الاستخدام العالمي.

وأضافت "عامر"،  أن المنافسة لم تعد محصورة بين شركات أو مختبرات تكنولوجية، وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا بالتنافس بين نماذج اقتصادية وتقنية وجيوسياسية مختلفة، وهو ما يفسر انتقال ملف الذكاء الاصطناعي إلى صدارة أجندة العلاقات الدولية.

الذكاء الاصطناعي يدخل حسابات واشنطن وبكين

وأشارت "عامر"، إلى أن تصاعد هذه المنافسة جعل الذكاء الاصطناعي حاضرًا بقوة في الاتصالات بين الولايات المتحدة والصين، موضحة أن مسؤولي البلدين ناقشوا إنشاء «آلية إخطار» ثنائية شبيهة بالخط الساخن، بهدف إبلاغ كل طرف الآخر عند وقوع حوادث مرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تمس الأمن القومي.

وأكدت الدكتورة غادة عامر، أن مجرد طرح مثل هذه الآلية يعكس إدراكًا متزايدًا لضرورة وجود قنوات اتصال تمنع تحول الحوادث التقنية إلى أزمات أمنية أو جيوسياسية أوسع، خاصة في ظل اختلاف الرؤى بين واشنطن وبكين بشأن شكل الحوكمة الدولية للذكاء الاصطناعي.

دول الجنوب العالمي تبحث عن موقع في السباق

ولفتت الدكتورة غادة عامر إلى أن دول الجنوب العالمي لا تقف خارج هذا المشهد، بل تسعى إلى بناء قدراتها والاستفادة من التحول التكنولوجي، مشيرة إلى الاستثمارات الكبيرة التي تضخها السعودية والإمارات في مراكز الحوسبة والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وفي هذا الإطار، أوضحت "عامر"، أن مصر تعمل على تعزيز حضورها في هذا المجال من خلال استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي 2025-2030، التي تستهدف زيادة مساهمة الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد، بالتزامن مع تحول مصر إلى ساحة تنافس بين قوى التكنولوجيا الكبرى على مشروعات مراكز البيانات والحوسبة.

السباق التكنولوجي يفرض سؤال الحوكمة

واختتمت الدكتورة غادة عامر خبيرة الذكاء الاصطناعي، تصريحها بالتأكيد على أن التطورات المتسارعة خلال سبتمبر 2026 تطرح سؤالًا رئيسيًا يتعلق بقدرة المجتمع الدولي على تحقيق التوازن بين سرعة الابتكار وضرورات السلامة والحوكمة.

وقالت إن التحدي الحقيقي يتمثل في أن السباق الذي تحركه المنافسة التجارية والجيوسياسية لا يمكن لأي دولة أو شركة أن توقفه منفردة، وهو ما يجعل مسؤولية الحكومات والهيئات الدولية أكثر أهمية في وضع قواعد وآليات قادرة على مواكبة التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، بما يضمن ألا تسبق سرعة التكنولوجيا قدرة العالم على التعامل مع مخاطرها.