تحولت اجتماعات الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال الأيام الماضية إلى ساحة رئيسية لعرض مواقف القوى الدولية والإقليمية بشأن أزمات الشرق الأوسط، في مقدمتها الحرب في غزة، والتوتر بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب ملفات اليمن ولبنان وأمن الممرات البحرية، بالتوازي مع استمرار النقاش حول مستقبل النظام الدولي ودور الأمم المتحدة في التعامل مع الأزمات.

ومع اقتراب ختام المناقشات رفيعة المستوى للجمعية العامة، برزت مجموعة من الرسائل السياسية التي حملتها خطابات قادة ومسؤولي الدول المشاركة، فيما بدا أن القضية الفلسطينية والحرب في غزة ظلتا في صدارة الملفات التي حضرت بقوة في كلمات عدد كبير من الوفود. وتعقد المناقشة العامة للدورة الـ81 خلال الفترة من 22 إلى 26 سبتمبر، إضافة إلى جلسات يوم 28 سبتمبر، وفق أجندة الأمم المتحدة.

خطابات نيويورك غزة في صدارة المشهد

كانت القضية الفلسطينية واحدة من أبرز محاور اجتماعات نيويورك، خصوصًا مع انعقاد اجتماع رفيع المستوى حول حل الدولتين، بالتزامن مع استمرار الحرب والأزمة الإنسانية في قطاع غزة.

وأكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، خلال الاجتماع الخاص بحل الدولتين في 22 سبتمبر، أن الحل القائم على دولتين وفق حدود ما قبل عام 1967، وبما يتوافق مع القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن والاتفاقات السابقة، لا يزال يمثل المسار الذي تعتبره الأمم المتحدة أساسًا لتحقيق سلام وأمن مستدامين للفلسطينيين والإسرائيليين. وحذر في الوقت نفسه من أن الظروف اللازمة لقيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة تتعرض للتآكل.

وفي تطور لافت قبل انطلاق المناقشات، أقرت الجمعية العامة بأغلبية 152 صوتًا مقابل 3 أصوات، مع امتناع 4 دول، قرارًا يسمح للرئيس الفلسطيني محمود عباس بتقديم كلمة مسجلة مسبقًا أمام الجمعية العامة، بعدما تعذر حضوره شخصيًا.

وحمل الحضور الفلسطيني في اجتماعات نيويورك رسالة سياسية واضحة بشأن استمرار التمسك بالحقوق الفلسطينية، في الوقت الذي عادت فيه قضية الاعتراف بالدولة الفلسطينية وحل الدولتين إلى واجهة النقاش الدولي.

في المقابل، استخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منبر الجمعية العامة للدفاع عن العمليات العسكرية الإسرائيلية، والرد على الانتقادات الدولية الموجهة إلى إسرائيل بشأن الحرب في غزة.

وكان نتنياهو قد أعلن قبل خطابه أنه سيستخدم المنبر الأممي للدفاع عن أفعال إسرائيل العسكرية في مواجهة حركة حماس، كما تناول في كلمته الملف الإيراني واتهامات إسرائيل المتعلقة بالأمن الإقليمي. وشهدت كلمته مغادرة عدد من الوفود قاعة الجمعية العامة احتجاجًا على مواقفه.

وتعكس هذه المواجهة الكلامية استمرار الانقسام الدولي بشأن الحرب في غزة، بين إسرائيل التي تقدم روايتها الأمنية والعسكرية، ودول ومنظمات دولية تنتقد استمرار العمليات العسكرية والوضع الإنساني في القطاع.

إيران والولايات المتحدة.. الدبلوماسية تحت الاختبار

لم تكن غزة وحدها حاضرة في نيويورك، إذ فرضت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران نفسها على أجندة الاجتماعات.

وفي كلمته أمام الجمعية العامة، عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مواقف إدارته بشأن إيران، محذرًا من استمرار المواجهة في حال عدم التوصل إلى اتفاق سلام، ومؤكدًا أن واشنطن تسعى إلى منع إيران من امتلاك أسلحة نووية. كما تناول في خطابه الحرب الروسية الأوكرانية، وإصلاح الأمم المتحدة، والذكاء الاصطناعي، وعددًا من الملفات الدولية الأخرى.

وفي المقابل، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن بلاده ما زالت منفتحة على المسار الدبلوماسي، مع رفض ما تعتبره طهران ضغوطًا عسكرية أو محاولات لفرض شروط عليها بالقوة.

وكان مسؤول إيراني قد قال قبل خطاب بزشكيان إن طهران مستعدة لإعادة فتح مضيق هرمز خلال أسبوع إذا خففت الولايات المتحدة الضغط العسكري ورفعت الحصار عن الموانئ الإيرانية، معتبرًا اجتماعات الجمعية العامة فرصة لإعادة إطلاق المسار الدبلوماسي.

وهكذا انتقلت أزمة هرمز من كونها ملفًا مرتبطًا بأمن الطاقة والملاحة فقط إلى ورقة حاضرة في الحسابات السياسية للتفاوض بين واشنطن وطهران.

مصر تطرح ملفات غزة والأمن الإقليمي

وفي قلب هذه التحركات، شاركت مصر في اجتماعات الجمعية العامة بوفد ترأسه رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، الذي ألقى بيان مصر خلال المناقشة العامة للدورة الـ81.

وتركزت الرسائل المصرية على عدد من الملفات، في مقدمتها القضية الفلسطينية، ورفض تهجير الفلسطينيين، إلى جانب قضايا الأمن الإقليمي والمياه والتنمية وإصلاح النظام المالي الدولي. وأكدت القاهرة رفضها القاطع لأي محاولات تستهدف تهجير الفلسطينيين أو تغيير الطابع الجغرافي والديموغرافي للأراضي الفلسطينية المحتلة.

كما شاركت مصر في اجتماع وزاري ضم عددًا من الدول العربية والإسلامية في نيويورك، أكد ضرورة تنفيذ الالتزامات المرتبطة بخطة إنهاء الحرب في غزة، وإدخال المساعدات الإنسانية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، إلى جانب رفض التهجير القسري للفلسطينيين.

وفي ملف أوسع يتعلق بالنظام الدولي، بحث وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج بدر عبد العاطي مع رئيس الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة سبل تعزيز أولويات دول الجنوب وإصلاح الهيكل المالي العالمي، إلى جانب إصلاح الأمم المتحدة وقضايا استخدام حق النقض داخل مجلس الأمن والحوكمة الدولية للذكاء الاصطناعي.

من الخطابات إلى اختبار القدرة على التنفيذ

وتكشف اجتماعات نيويورك أن الأزمة لم تعد مرتبطة بغياب المواقف الدولية؛ فالأطراف المختلفة عرضت رؤيتها بشأن غزة وإيران وأمن المنطقة، كما جرى التأكيد على حل الدولتين ورفض التهجير وضرورة حماية المدنيين وإيصال المساعدات.

لكن التحدي الأبرز يبقى في الانتقال من البيانات والخطابات إلى خطوات سياسية قابلة للتنفيذ.

فالأمم المتحدة تستطيع توفير منصة للحوار وإصدار القرارات، إلا أن تنفيذ كثير من هذه القرارات يرتبط بمواقف الدول الكبرى وتوازنات مجلس الأمن وقدرتها على الضغط على الأطراف المعنية.

وتظهر هذه الإشكالية بوضوح في الملف الفلسطيني؛ فالأمين العام للأمم المتحدة حذر من تآكل مقومات قيام الدولة الفلسطينية، بينما تستمر الخلافات بشأن كيفية إنهاء الحرب وترتيبات المرحلة التالية، وهو ما يجعل الفجوة بين الموقف الدولي المعلن والتطورات على الأرض واحدة من أبرز تحديات المرحلة المقبلة.

هل أنتجت نيويورك مسارًا جديدًا؟

حتى الآن، تبدو اجتماعات الجمعية العامة أقرب إلى إعادة ترتيب المواقف الدولية وفتح قنوات اتصال متعددة، أكثر من كونها نقطة تحول نهائية في أزمات المنطقة.

ففي الملف الإيراني، ظهرت إشارات إلى إمكانية العودة إلى التفاوض، لكن المواقف الأمريكية والإيرانية لا تزال متباعدة بشأن شروط إنهاء المواجهة. وفي غزة، تتواصل الدعوات الدولية إلى وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات وتنفيذ ترتيبات المرحلة المقبلة، بينما لا تزال الملفات المتعلقة بالأمن والانسحاب وإدارة القطاع وإعادة الإعمار محل تفاوض.

أما بالنسبة لمصر، فقد جمعت مشاركتها في نيويورك بين القضية الفلسطينية، والأمن الإقليمي، وأمن المياه، وإصلاح النظام الدولي، بما يعكس اتساع نطاق الملفات المطروحة على الدبلوماسية المصرية داخل المحافل الدولية.

وبذلك، فإن السؤال الذي يبقى بعد انتهاء أسبوع نيويورك ليس فقط: ماذا قال قادة العالم؟، وإنما أيضًا: ما الذي يمكن أن يتحول من هذه المواقف إلى خطوات عملية على الأرض؟

فالجمعية العامة قدمت خلال أيامها الأخيرة صورة واضحة لخريطة الخلافات الدولية بشأن الشرق الأوسط، لكن اختبار المرحلة المقبلة سيكون في قدرة الأطراف على تحويل الاتصالات والمواقف المعلنة إلى مسارات تفاوضية تفضي إلى خفض التصعيد، وإنهاء الحرب في غزة، وفتح الطريق أمام تسوية سياسية للقضية الفلسطينية، بالتوازي مع احتواء التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.