قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. 1 أكتوبر يفتح صفحة جديدة في رحلة القضية الجنائية بمصر

من محضر الشرطة إلى قاعة المحكمة.. 7 بدائل للحبس الاحتياطي، ضمانات جديدة للدفاع، حماية للمساكن، وإجراءات رقمية تعيد رسم خريطة العدالة الجنائية

تستعد منظومة العدالة الجنائية في مصر لبدء تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 اعتبارًا من الأول من أكتوبر 2026، ليحل محل القانون الصادر بالقانون رقم 150 لسنة 1950، بعد أكثر من سبعة عقود ظل خلالها التشريع القديم الإطار الأساسي الذي ينظم رحلة الدعوى الجنائية منذ بدايتها وحتى المحاكمة وتنفيذ الأحكام.

القانون الجديد لا يمثل مجرد تعديل لمادة أو أكثر، وإنما يعيد تنظيم عدد كبير من الإجراءات التي تمس أطراف الدعوى الجنائية بصورة مباشرة، بداية من إجراءات الضبط والتحقيق، مرورًا بالحبس الاحتياطي وبدائله، وحضور المحامي، والإعلانات القضائية، وصولًا إلى المحاكمة والطعن وتنفيذ الأحكام.

وتأتي لحظة التطبيق بعد مسار تشريعي طويل شهد اعتراضًا رئاسيًا على عدد من مواد مشروع القانون، قبل أن يعيد مجلس النواب مناقشة المواد محل الاعتراض ويجري تعديلات عليها، ثم يصدر القانون رسميًا في 12 نوفمبر 2025. ونص القانون في صورته النهائية على بدء العمل به في الأول من أكتوبر التالي لتاريخ نشره، أي في الأول من أكتوبر 2026.

وبينما تستعد المحاكم والنيابات ومأمورو الضبط القضائي والمحامون للتعامل مع القواعد الجديدة، يظل السؤال الأهم: ماذا سيتغير فعليًا في رحلة القضية الجنائية بعد 1 أكتوبر؟

قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. لماذا يبدأ التطبيق في 1 أكتوبر؟

كان مشروع القانون في البداية مقررًا أن يدخل حيز التنفيذ في توقيت أقرب، إلا أن مجلس النواب وافق في أكتوبر 2025 على إرجاء التطبيق إلى الأول من أكتوبر التالي لتاريخ النشر، لإتاحة الوقت اللازم لتجهيز البنية التحتية وتدريب القائمين على تنفيذ القانون، خصوصًا في ظل استحداث منظومات رقمية ومراكز للإعلانات الهاتفية وإجراءات جديدة في التقاضي الجنائي.

وبصدور القانون في الجريدة الرسمية بتاريخ 12 نوفمبر 2025، أصبح الأول من أكتوبر 2026 هو الموعد المحدد لبدء العمل بالتشريع الجديد.

وتنص مواد الإصدار على إلغاء قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950، مع الإبقاء على بعض القواعد الانتقالية بالنسبة إلى دعاوى وطعون بدأت في ظل القانون السابق.

قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. من محضر الشرطة تبدأ الرحلة

القضية الجنائية لا تبدأ داخل قاعة المحكمة، وإنما تبدأ في الغالب من بلاغ أو محضر أو إجراء استدلالي، ثم تنتقل إلى مرحلة التحقيق، وبعدها إلى الإحالة والمحاكمة إذا توافرت شروطها.

وهنا تظهر أهمية القانون الجديد؛ لأنه لا يتعامل فقط مع لحظة صدور الحكم، وإنما ينظم مراحل متعددة تسبقها.

ومن أبرز الملفات التي يعيد القانون تنظيمها: أوامر الضبط، إجراءات التحقيق والاستجواب، حضور المحامي، الحبس الاحتياطي، البدائل، الإيداع، الإعلانات، والمحاكمة باستخدام الوسائل التقنية في الحالات التي يسمح بها القانون.

وبالتالي، فإن التغيير المرتقب لن يكون محصورًا في المتهم وحده، وإنما سيمتد إلى المحامي والمجني عليه والشهود والنيابة العامة والمحكمة ومأموري الضبط القضائي.

قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. الحبس الاحتياطي أمام ضوابط وحدود زمنية

يأتي الحبس الاحتياطي في مقدمة الملفات التي أثارت اهتمامًا واسعًا خلال مناقشات القانون.

والصيغة النهائية للقانون تضمنت تنظيمًا لمدد الحبس الاحتياطي والرقابة على استمرار الحبس، إلى جانب استحداث مجموعة أكبر من التدابير البديلة.

ومن أبرز الضوابط أن المادة 123 تتضمن عرض الأمر على النائب العام كلما انقضت 90 يومًا على حبس المتهم بجناية احتياطيًا أو مدّه، لاتخاذ الإجراءات التي يراها كفيلة بالانتهاء من التحقيق.

كما وضع القانون حدودًا قصوى للحبس الاحتياطي خلال التحقيق وسائر مراحل الدعوى، ترتبط بنوع الجريمة والعقوبة المقررة لها، بحيث لا تتجاوز الحدود التي حددها النص القانوني، مع أحكام خاصة للجنايات وللجرائم المعاقب عليها بالسجن المؤبد أو الإعدام.

وبذلك ينتقل الحبس الاحتياطي في القانون الجديد إلى إطار أكثر تفصيلًا من حيث المدد والرقابة والإجراءات.

قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. 7 بدائل للحبس الاحتياطي بدلًا من 3

من أبرز المستحدثات التي يتوقف أمامها القانون الجديد التوسع في بدائل الحبس الاحتياطي.

وتشمل البدائل السبعة:

  1. إلزام المتهم بعدم مبارحة مسكنه أو موطنه.

  2. إلزامه بالتوجه إلى مقر الشرطة في أوقات محددة.

  3. حظر ارتياد أماكن محددة.

  4. عدم مغادرة نطاق جغرافي معين إلا بإذن النيابة العامة.

  5. الامتناع عن استقبال أو مقابلة أشخاص معينين أو الاتصال بهم بأي وسيلة.

  6. المنع المؤقت من حيازة أو إحراز الأسلحة النارية وذخيرتها وتسليمها للشرطة.

  7. استخدام وسائل تقنية لتتبع المتهم، متى توافرت ظروف تطبيقها ووفق الضوابط التي يحددها القانون والقرارات المنظمة.

وهذه البدائل تعني أن الحبس الاحتياطي لم يعد هو التدبير الوحيد المتاح في الحالات التي تستوجب اتخاذ تدبير احترازي، إذ أتاح المشرع مجموعة من الوسائل التي تقيد حركة المتهم أو اتصاله أو نشاطه دون إيداعه الحبس.

قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. المحامي حاضر في التحقيق بضمانات أوضح

من الملفات المهمة كذلك حقوق الدفاع أثناء التحقيق والاستجواب.

وتضمنت الصيغة النهائية تعديلات تتعلق بحضور المحامي أثناء استجواب المتهم في الحالات التي حددها القانون، إلى جانب تنظيم حالات إيداع المتهم أحد مراكز الإصلاح والتأهيل أو أماكن الاحتجاز لحين استجوابه بحضور محاميه.

كما تضمنت التعديلات ضمانات مرتبطة بأمر الإيداع، من بينها أن يكون الأمر في حالات ومبررات محددة ولمدة مؤقتة، مع إخضاعه لرقابة قضائية وإتاحة الطعن على الأمر القضائي الصادر بالإيداع أو مدّه وفق الضوابط القانونية.

وبالتالي، فإن حضور الدفاع في المرحلة المبكرة من القضية يصبح واحدًا من الملفات التي تحظى بتنظيم أكثر تفصيلًا في القانون الجديد.

قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. حماية أكبر للمساكن أثناء الضبط

من النقاط التي حظيت بتعديل خلال المرحلة الأخيرة من مناقشة القانون مسألة دخول المساكن.

فقد أعيدت صياغة الحالات الاستثنائية لدخول المسكن بما يتفق مع الحماية الدستورية للمساكن، مع تحديد حالات الخطر التي يمكن فيها الدخول، ومن بينها حالات الاستغاثة أو الخطر الناجم عن الحريق أو الغرق وما يماثلهما.

وكانت هذه المسألة تحديدًا ضمن المواد التي شملها الاعتراض الرئاسي على مشروع القانون قبل أن يعيد مجلس النواب مناقشتها ويعدل الصياغة.

قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. الإعلان القضائي يدخل مرحلة رقمية

التحول الرقمي واحد من أبرز ملامح المنظومة الجديدة.

فالقانون يتيح استخدام وسائل تقنية المعلومات الحديثة في عدد من إجراءات الإعلان والإخطار، مع وجود قواعد بديلة عندما يتعذر استخدام الوسيلة الإلكترونية، بما يحافظ على سلامة الإجراءات والمواعيد القانونية.

ولا تقف عملية الرقمنة عند الإعلان؛ فوزارة العدل بدأت بالفعل تجهيز منظومة التقاضي الجنائي عن بُعد قبل بدء التطبيق الرسمي للقانون.

وأعلنت الوزارة في سبتمبر 2026 إطلاق منصة خدمات المحامين، التي تتيح التسجيل الإلكتروني، والاستعلام عن جلسات القضايا، والاطلاع على ملفات القضايا، والحصول على صور من محاضر الجلسات والقرارات إلكترونيًا، إلى جانب حضور جلسات محاكم جنايات أول درجة عن بُعد في نطاق المنظومة المطبقة.

قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. الشهود والخبراء يدخلون منظومة التقاضي عن بُعد

الرقمنة لا تتعلق بالمحامي وحده.

ووفق ما أعلنته وزارة العدل، تتضمن المنظومة الرقمية الجديدة آليات للربط الإلكتروني المشفر والمؤمّن بما يسمح، وفق القواعد والإجراءات المنظمة، بحضور الشهود ومناقشة الخبراء والأطباء الشرعيين عن بُعد.

كما تتضمن المنظومة استخدام تقنية تحويل الصوت إلى نص للمساعدة في ميكنة وتدوين وقائع الجلسات.

وهنا تظهر أهمية الأول من أكتوبر باعتباره ليس فقط موعدًا لتغيير النص القانوني، وإنما موعدًا لبدء تشغيل مجموعة من الأدوات الرقمية المرتبطة بالمنظومة القضائية الجديدة.

قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. ماذا يحدث للمتهم الذي يحاكم غيابيًا؟

وضع القانون ضمانات إضافية في بعض حالات الأحكام الغيابية في مواد الجنايات.

كما نظمت مواد الإصدار كيفية التعامل مع الطعون في الأحكام الغيابية الصادرة قبل بدء العمل بالقانون، حيث نصت على استمرار نظر الطعون في الأحكام الغيابية الصادرة في مواد الجنايات قبل سريان القانون بذات الأوضاع والإجراءات السابقة.

وهذه النقطة مهمة بالنسبة للقضايا القائمة؛ لأن دخول القانون الجديد حيز التنفيذ لا يعني بالضرورة إخضاع كل إجراء سابق تلقائيًا للقواعد الجديدة.

قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. ماذا عن القضايا التي بدأت قبل 1 أكتوبر؟

هذه واحدة من أكثر النقاط التي تحتاج إلى قراءة دقيقة.

فالقانون الجديد وضع أحكامًا انتقالية تحدد نطاق تطبيق بعض مواده على القضايا القائمة.

وتنص المادة الثانية من مواد الإصدار على استمرار نظر الطعون في الأحكام الغيابية الصادرة في مواد الجنايات قبل سريان القانون وفق الأوضاع والإجراءات السابقة.

كما نصت المادة الثالثة على نطاق محدد لسريان أحكام الاستئناف في مواد الجنايات، وربطته بالدعاوى التي لم يفصل فيها من محاكم الجنايات اعتبارًا من تاريخ العمل بالقانون رقم 1 لسنة 2024 المعدل لبعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية.

وبالتالي، فإن الإجابة عن سؤال «هل كل القضايا القديمة ستخضع للقانون الجديد؟» ليست نعم أو لا بصورة مطلقة؛ وإنما تتوقف على نوع الإجراء، ومرحلة الدعوى، وتاريخ صدور الحكم أو بدء الطعن، والنص الانتقالي المنطبق على الحالة.

قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. المجني عليه والشاهد ليسا خارج المشهد

الحديث عن القانون الجديد غالبًا ما يتركز على المتهم والحبس الاحتياطي، لكن منظومة الإجراءات الجنائية تضم أطرافًا أخرى، أبرزهم المجني عليه والشاهد والخبراء.

والقانون ينظم إجراءات التحقيق والمحاكمة بما يرتبط بحقوق مختلف أطراف الدعوى وسلامة الإجراءات، مع الحفاظ على الضمانات القانونية للمحاكمة.

ومع دخول الوسائل الرقمية إلى الجلسات، يمكن أن تمتد آثار التطوير إلى طريقة حضور بعض الشهود والخبراء ومناقشتهم، وفق القواعد التي يحددها القانون والمنظومة التنفيذية.

قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. استعدادات واسعة قبل ساعة الصفر

لم تنتظر وزارة العدل حلول أكتوبر لبدء الاستعداد.

فخلال أغسطس وسبتمبر 2026، أعلنت الوزارة تنفيذ خطة لتجهيز قاعات المحاكم، وتدريب القضاة وأمناء سر الجلسات والمحامين، وإطلاق منظومة التقاضي الجنائي عن بُعد.

وفي سبتمبر أعلنت الوزارة الانتهاء من تدريب القضاة والمحامين وأمناء السر في عدد من دوائر محاكم الاستئناف، مع استمرار التدريب في دوائر أخرى استعدادًا للتطبيق على مستوى الجمهورية.

كما أطلقت الوزارة بالفعل منصة التقاضي الجنائي عن بُعد، وأكدت أن الخدمات الخاصة بالحسابات سيتم تفعيلها اعتبارًا من الأول من أكتوبر 2026، وهو اليوم المحدد لدخول القانون الجديد حيز التنفيذ.

قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. تحول تشريعي بدأ من البرلمان

قصة القانون لم تكن مجرد إصدار تشريع جديد.

ففي أكتوبر 2025، عرض مجلس النواب اعتراض رئيس الجمهورية على عدد من مواد مشروع القانون، وأعلنت وكالة أنباء البرلمان أن الاعتراض شمل 8 مواد.

ثم ناقشت اللجنة العامة للمجلس أسباب الاعتراض، قبل أن يعود المجلس إلى مناقشة المواد وإجراء تعديلات عليها.

وفي 16 أكتوبر 2025 وافق مجلس النواب على الصيغة المعدلة، ومنها تعديل موعد بدء العمل بالقانون ليكون الأول من أكتوبر التالي لتاريخ نشره، ثم صدر القانون رسميًا في نوفمبر 2025.

قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. ماذا يعني يوم 1 أكتوبر عمليًا؟

مع حلول الأول من أكتوبر، ستبدأ مرحلة جديدة من التعامل مع الإجراءات الجنائية في مصر، لكن أثر القانون لن يظهر بالضرورة في صورة تغيير واحد يراه المواطن من اللحظة الأولى.

التغيير سيكون موزعًا على مراحل القضية:

في مرحلة الضبط والتحقيق: تظهر قواعد وضمانات مرتبطة بالضبط والإيداع والاستجواب والدفاع.

في الحبس الاحتياطي: تظهر الحدود الزمنية والرقابة والبدائل السبعة.

في الإعلان: تبدأ وسائل تقنية جديدة في أداء دور أكبر إلى جانب الوسائل التقليدية وفق الحالات التي ينظمها القانون.

في المحاكمة: تتوسع منظومة التقاضي عن بُعد والخدمات الرقمية.

في القضايا القديمة: تطبق القواعد الانتقالية بحسب طبيعة الإجراء ومرحلة الدعوى.

وبذلك يصبح الاختبار الحقيقي للقانون ليس فقط في نصوصه، وإنما في كيفية تحويل هذه النصوص إلى ممارسة يومية داخل أقسام الشرطة والنيابات والمحاكم.

قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. بين النص والتطبيق تبدأ المعركة الحقيقية

القانون الجديد يضع إطارًا إجرائيًا مختلفًا في عدد من الملفات، لكن نجاح أي تشريع إجرائي لا يتوقف على صياغة مواده وحدها.

فالانتقال من قانون عملت به المنظومة منذ عام 1950 إلى تشريع جديد يتضمن أدوات رقمية وضوابط وإجراءات مستحدثة يتطلب تدريبًا مستمرًا، وبنية تقنية مستقرة، وتوحيدًا لفهم الإجراءات بين الجهات المختلفة.

ولهذا ركزت وزارة العدل خلال الأشهر السابقة على التدريب وتجهيز المحاكم والمنصات الرقمية، بينما حدد القانون فترة انتقالية طويلة نسبيًا بين نشره وبدء العمل به لإتاحة الاستعداد المؤسسي.

ويبقى الأول من أكتوبر 2026 هو لحظة الاختبار الفعلية: هل تتحول النصوص الجديدة إلى إجراءات أسرع وأكثر تنظيمًا، أم تكشف الممارسة اليومية عن تحديات تحتاج إلى مزيد من القرارات التنفيذية والتدريب والتطوير؟

الإجابة لن تُكتب في الجريدة الرسمية، وإنما ستظهر تدريجيًا داخل محاضر التحقيق، وقرارات الحبس، وإعلانات القضايا، وقاعات المحاكم، والمنصات الرقمية، ومع كل قضية تبدأ رحلتها في ظل القانون الجديد.