قال أحمد العناني، خبير العلاقات الدولية، في تصريح خاص لـ«خمسة سياسة»، إن التطورات الأخيرة على الساحل الغربي لليمن، وفي مقدمتها سيطرة جماعة الحوثيين على مناطق استراتيجية مثل ذُباب وميناء المخا وجزيرة ميون، تضع مضيق باب المندب أمام مرحلة شديدة الخطورة، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية للممر الذي يمثل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر ويرتبط مباشرة بحركة الملاحة بين آسيا وأوروبا وقناة السويس.
وأضاف العناني أن السيطرة على هذه المواقع تمنح الحوثيين قدرة أكبر على التأثير في حركة السفن المارة بالقرب من باب المندب، لافتًا إلى أن تقارير حديثة تحدثت عن امتداد سيطرة الجماعة على أجزاء واسعة من الساحل الغربي اليمني ومواقع وجزر ذات أهمية مباشرة للممر الملاحي.
باب المندب.. شريان رئيسي للتجارة والطاقة العالمية
وأوضح خبير العلاقات الدولية أن خطورة الموقف ترتبط بالأهمية الاقتصادية لباب المندب، باعتباره جزءًا أساسيًا من خط الملاحة الذي يربط البحر الأحمر بقناة السويس والبحر المتوسط، مشيرًا إلى أن اضطراب الملاحة في هذه المنطقة ينعكس بصورة مباشرة على تكاليف النقل والتأمين وأوقات الرحلات التجارية.
وفي هذا السياق، تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن باب المندب مر عبره في النصف الأول من عام 2023 نحو 12% من تجارة النفط المنقولة بحرًا، كما يمثل الممر جزءًا أساسيًا من حركة التجارة بين أوروبا وآسيا عبر قناة السويس.
ورقة ضغط في الصراع الأمريكي الإيراني
ومن ناحية أخرى، يرى العناني أن التطورات في باب المندب لا يمكن فصلها عن التوترات الإقليمية الأوسع، خاصة في ظل ارتباط جماعة الحوثيين بإيران، موضحًا أن امتلاك القدرة على تهديد أحد أهم الممرات البحرية العالمية يمكن أن يتحول إلى ورقة ضغط غير مباشرة في أي مواجهة إيرانية مع الولايات المتحدة.
وأشار إلى أن أهمية باب المندب تتضاعف عند النظر إليه بالتوازي مع مضيق هرمز، باعتبار أن أي اضطراب متزامن في الممرين من شأنه أن يفرض ضغوطًا كبيرة على حركة الطاقة والتجارة العالمية، ويرفع من تكلفة النقل والتأمين، فضلًا عن زيادة حالة عدم اليقين في أسواق النفط.
مصر وقناة السويس في دائرة التأثير المباشر
وأكد العناني أن مصر تعد من أكثر الدول التي يمكن أن تتأثر بتطورات باب المندب، نظرًا للارتباط المباشر بين حركة الملاحة في المضيق وحركة السفن المتجهة إلى قناة السويس.
وأوضح أن استمرار تهديد الملاحة في البحر الأحمر قد يدفع مزيدًا من شركات النقل إلى تغيير مساراتها البحرية واللجوء إلى طرق أطول حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما يرفع زمن الرحلات وتكاليف الشحن ويؤثر في حركة التجارة المرتبطة بقناة السويس.
وقد أظهرت تداعيات هجمات الحوثيين السابقة بالفعل اتجاه سفن إلى تجنب باب المندب والبحر الأحمر، ما أدى إلى زيادة زمن الرحلات وتكاليف الشحن.
السعودية أمام ضغوط إضافية على صادراتها النفطية
وفي السياق ذاته، لفت خبير العلاقات الدولية إلى أن السيطرة الحوثية على مواقع مطلة على باب المندب تمثل ضغطًا إضافيًا على حركة التجارة والطاقة السعودية، خاصة مع استهداف الجماعة للسفن المرتبطة بالسعودية وتزايد المخاطر على طرق نقل الصادرات عبر البحر الأحمر.
وأشار إلى أن التطورات الأخيرة دفعت بالفعل إلى تصاعد المخاوف بشأن صادرات النفط السعودية وحركة الملاحة في البحر الأحمر، بالتزامن مع التوترات الأوسع في المنطقة.
«أسبيدس».. مواجهة بحرية مفتوحة تلوح في الأفق
ومن زاوية استراتيجية، حذر العناني من أن استمرار سيطرة الحوثيين على المواقع القريبة من باب المندب قد يفتح الباب أمام مزيد من التصعيد البحري، خصوصًا مع استمرار الوجود الأوروبي في المنطقة عبر مهمة «أسبيدس» التي أطلقها الاتحاد الأوروبي لحماية حرية الملاحة والسفن التجارية.
وأوضح أن الاتحاد الأوروبي مدد مهمة «أسبيدس» حتى فبراير 2027، مؤكدًا أن مهمتها دفاعية وتهدف إلى حماية السفن وتأمين حرية الملاحة في البحر الأحمر والمياه المحيطة به.
وأضاف أن اتساع نطاق التهديدات قد يضع القوات البحرية الأوروبية والحوثيين أمام احتكاكات متزايدة، وهو ما يجعل البحر الأحمر مرشحًا لأن يصبح إحدى ساحات الصراع البحري الرئيسية في المنطقة.
من البحر الأحمر إلى هرمز.. خطر اتساع رقعة الصراع
واختتم أحمد العناني تصريحاته بالتأكيد على أن التطورات في باب المندب يجب قراءتها ضمن المشهد الإقليمي الأوسع، خاصة في ظل التوترات المتزامنة حول مضيق هرمز.
وأوضح أن استمرار التصعيد في أكثر من ممر بحري استراتيجي قد يؤدي إلى توسيع نطاق المواجهة من الخليج وبحر العرب إلى البحر الأحمر، بما يرفع مستوى المخاطر أمام حركة التجارة العالمية ويضع الدول المشاطئة للبحر الأحمر، وعلى رأسها مصر والسعودية، أمام تحديات أمنية واقتصادية متزايدة.
وشدد العناني على أن المعادلة الحالية لا تتعلق بالسيطرة على منطقة جغرافية داخل اليمن فقط، وإنما بامتلاك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية التي ترتبط بها حركة التجارة والطاقة بين الشرق والغرب.
