على بعد خطوات من جامع الأزهر الشريف، وفي قلب القاهرة الفاطمية النابض بالحياة، تقف مدرسة السلطان الغوري (الأثر رقم 189) شاهدةً على واحدة من أزهى فترات العمارة الإسلامية، وأكثرها صموداً في وجه عاديات الزمن وضربات الطبيعة.

من الشركسية إلى عرش مصر.. رحلة السلطان الفدائي قنصوه الغوري


تأسست هذه المنشأة الفريدة بين عامي 1503 و1504 ميلادية (909 - 910 هجرية)، على يد السلطان الأشرف أبو النصر قنصوه الغوري، الذي ولد قرابة عام 1446م، وتدرج في المناصب العسكرية والإدارية الرفيعة كـ"نائب طرطوس" و"الداوادار الكبير" في العصر المملوكي، حتى بايعه كبار المماليك سلطاناً على البلاد عام 1501م.

وقد عُرف الغوري بمواقفه التاريخية الصلبة، حيث انتهت حياته في معركة "مرج دابق" الشهيرة شمال حلب عام 1516م وهو يدافع عن ملكه ضد الجيش العثماني، ولم يُعثر على جثمانه حتى اليوم، ليبقى أثره في قلب القاهرة نابضاً باسمه.

مآذن هزّت التاريخ.. ترميمات العصر الحديث تنقذ الأثر من زلزال 1992


لم تكن رحلة المدرسة المعمارية خالية من الإثارة؛ ففي عام 1505م تعرضت المئذنة لخلل إنشائي جسيم هددها بالسقوط، فأمر السلطان بهدمها على الفور وإعادة بنائها برأسين خشبيين بدلاً من رؤوسها الخمسة الأصلية.


وفي العصر الحديث، خاضت هيئة الآثار المصرية معركة لإنقاذ هذا التراث الإنساني؛ حيث بدأت بإخلاء الدكاكين والمتاجر التي كانت تشغل أجزاء من المدرسة، وصولاً إلى إطلاق مشروع ترميم وتجديد شامل للجامع والمئذنة لتدعيم الجدران وتجديد الكسوات الرخامية وإعادة الزخارف لأصلها، خاصة بعد الأضرار البالغة التي لحقت بالأثر جراء زلزال القاهرة الشهير عام 1992.

صحن مربع ومحراب رخامي.. التفاصيل الساحرة لأيقونة العمارة الإسلامية


تتجسد عبقرية الهندسة المملوكية في التصميم الداخلي للمدرسة، والتي تتألف من صحن مكشوف شبه مربع (11 × 11 متراً تقريباً)، تحيط به أربعة إيوانات يتصدرها الإيوان الشرقي (إيوان القبلة) بعقده المدبب على هيئة حدوة الفرس، ويتوسطه محراب رخامي دقيق الصنع، وجواره منبر خشبي مطعم بالعاج والصدف الفاخر.

أما الواجهات الخارجية فتبهر الناظرين؛ حيث يقع المدخل الرئيسي في الواجهة الشرقية ويُصعد إليه عبر سلم مزدوج، بينما تتميز المئذنة القابعة بالطرف الجنوبي الشرقي بتصميمها المربع الضخم وزخارفها الهندسية البارزة، تعلوها خمسة رؤوس خشبية يتوج كل منها هلال نحاسي براق، لتبقى المدرسة تحفة معمارية تتحدى الزمن وتجذب عشاق التراث من كل بقاع الأرض.