▪️ حجت 30 مرة وختمت القرآن 190 مرة في محرابها.. وعلاقة روحية وثيقة ربطتها بالإمام الشافعي
▪️ المقريزي يوثق ميلادها بمكة ومسيرتها العلمية.. ورؤيا نبوية حسمت بقاءها في محراب المحروسة
تُعد السيدة نفيسة بنت الحسن الأنور، الملقبة بـ"نفيسة العلوم" و"حبيبة المصريين"، إحدى أبرز أعلام ال البيت اللائي تركن بصمة خالدة في وجدان الشعب المصري والذاكرة التاريخية للإسلام. فقد جمعت بين شرف النسب النبوي، والعلم الغزير، والزهد العظيم، لتتحول دارها ومسجدها العامر بالقاهرة إلى منارة تقصده أفواج طالبي العلم والروحانيات.

نسب طاهر ومسيرة علمية بين المدينة ومكة
تُفيد المصادر التاريخية، وفي مقدمتها "خطط المقريزي"، أن السيدة نفيسة ولدت في مكة المكرمة في الحادي عشر من ربيع الأول سنة 145 هجرية، ونشأت في المدينة المنورة حيث تربت في كنف والدها السيد الحسن الأنور، والي المدينة وإمامها الجليل. تلقت علومها في مسجد جدها المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتتلمذت على أيدي كبار علماء عصرها، وفي طليعتهم إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه، حيث قرأت عليه "الموطأ" ونهلت من مناهجه الفقهية، حتى نابت وصارت مرجعاً يُضرب به المثل في العلم والورع.
قدوم مبارك واستقبال باهر بالمحروسة
في السادس والعشرين من رمضان سنة 193 هجرياً، حلت السيدة نفيسة ضيفة على أرض مصر برفقة زوجها إسحاق المؤتمن بن الإمام جعفر الصادق، وأبنائها وأبيها، لزيارة أقاربهم من آل البيت الأطهار. وقد خرج أهالي مصر لاستقبالها عند العريش استقبالاً تاريخياً حاشداً، حيث نزلت أولاً بدار كبير التجار جمال الدين عبد الله الجصاص، ثم انتقلت إلى دار السيدة أم هانئ بالقاهرة.
وحين تكاثر الناس على بيتها طلباً للعلم والاستشارة والدعاء، وهو ما شغلها عن أورادها وعبادتها، همّت بالرجوع إلى المدينة المنورة، إلا أن تدخل والي مصر، السري بن الحكم، وتخصيصه يومين أسبوعياً للقاء الناس وتفرغها لبقية الأسبوع للعبادة، أسهم في بقائها واستقرارها الدائم بمصر.
علاقة فريدة مع الإمام الشافعي
شهدت القاهرة رابطة وثيقة ومتبادلة من الاحترام والتقدير بين السيدة نفيسة والإمام الشافعي رضي الله عنهما؛ إذ كان حريصاً على حضور مجالس علمها، وإذا مرض أرسل إليها رسوله (كالربيع الجيزي أو المرادي) يلتمس دعاءها فيُشفى بإذن الله. وعند مرضه الأخير، أرسل يسألها الدعاء، فقالت لرسوله العبارة الشهيرة: "متّعَه الله بالنظَر إلى وجهِه الكريم"، ليكون اللقاء الأخير قبل وفاته.

زهد عظيم وكرامات خالدة
عُرفت السيدة نفيسة بعبادتها المنقطعة النظير؛ إذ تقول زينب بنت أخيه يحيى المتوج التي خدمت عمتها أربعين عاماً: «ما رأيتها نامت بليل، ولا أفطرت بنهار إلا في العيدين وأيام التشريق». كما حجت ثلاثين حجة، أكثرها مشياً على الأقدام.
وقد أعدت السيدة نفيسة لنهايتها بحفر قبرها في صحن دارها بيدها، فكانت تنزل وتصلى وتقرأ القرآن فيه باكية حتى ختمته 190 مرة. وفي شهر رمضان من عام 208 هـ، وافتها المنية وهي تتلو قول الله تعالى: {لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.
رؤيا نبوية تحسم مثواها الأخير
عزم زوجها على نقل جثمانها للمدينة المنورة بعد وفاتها، فتمسك المصريون ببقائها، وحسمت الأمر رؤيا ر فيها الزوج النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: "يا إسحق لا تعارض أهل مصر في نفيسة، فإنّ الرحمة تنزل عليهم ببركتها". فدُفنت في بيتها الذي تحول إلى مسجدها الشهير بمنطقة "درب السباع"، والذي شهد لاحقاً عمارات وتجديدات متلاحقة بدءاً من العصر العباسي مروراً بالفاطمي وحتى العصور الحديثة، لتظل سيرتها العطرة نبراساً ينبض بالرحمة والبركة في قلب مصر.
