في قلب القاهرة الخديوية، وقبل أن تعرف المدينة صخب المحركات وهدير التكنولوجيا الحديثة، كان هناك رجال يبيعون العمر للأرصفة ليمنحوا العاصمة ضياءها. "المشعلجي".. مهنة تراثية غابت عن الأنظار، لكنها تركت بصمة لا تُمحى في سجلات بلدية القاهرة، كشاهد عيان على بدايات دخول الحضارة والإنارة الحديثة إلى شوارع مصر.

15 فبراير 1865: ليلة أضاءت فيها القاهرة مصابيح «الغاز والزيت»
شهد منتصف القرن التاسع عشر تحولاً جذرياً في بنية العاصمة المصرية؛ وتحديداً في 15 فبراير من عام 1865، حين بدأت أعمدة الإنارة تبتلع ظلام الليل في الشوارع الرئيسية لأول مرة بشكل تنظيمي.
لم تكن تلك الأعمدة تعمل بلمسة زر كما هو الحال اليوم، بل كانت تعتمد بشكل كامل على النيران المباشرة. ومع هذا التحول، ولدت وظيفة رسمية تحت مظلة بلدية القاهرة، يحمل صاحبها مسمى "المشعلجي"؛ الرجل الذي باتت مهمته الرسمية واليومية هي مطاردة العتمة وإيقاظ الفوانيس.
عُدّة «المشعلجي»: سلم خشبي وعامود حديدي لا يغيبان عن الكتف
لم تكن مهنة "المشعلجي" باليسيرة، بل كانت تتطلب طاقة بدنية وجدولاً صارماً. كان المشعلجي يجوب الشوارع والمحاور الرئيسية المحددة له سلفاً وهو يحمل خلفه سلماً خشبياً ثقيلاً، وبيده عامود من الحديد تعلوه أسطوانة دائرية الشكل، بداخلها قطعة من الكتان المشبع بالزيت المشتعل.
ومع دقات الغروب، يبدأ رحلته صعوداً وهبوطاً لإنارة المصابيح واحداً تلو الآخر. الغريب في الأمر أن مهمته لم تكن تنتهي بانتهاء الليل؛ بل كان يعاود مروره مرتين في اليوم الواحد، حيث يعود في الصباح الباكر مع خيوط الفجر الأولى لإطفاء تلك الشعلات حرصاً على الزيت والوقود.
بين الشوارع الرئيسية والحواري: «الجهود الذاتية» تضيء زقاق المحروسة
بينما كانت شوارع القاهرة الكبرى ووسط البلد تتمتع برعاية "المشعلجية" الرسميين التابعين للبلدية كنوع من الرفاهية المتاحة لقلب العاصمة، سارت الحواري والأزقة الفرعية في مسار آخر.
فلم تكن الميزانيات الرسمية تغطي الشوارع الداخلية، وهنا تجلت العبقرية المصرية وروح التكافل؛ حيث كانت عمليات إنارة الحواري تتم بـجهود الأهالي الذاتية. كان سكان كل زقاق يتشاركون في شراء الزيت وصيانة الفوانيس المعلقة على واجهات المنازل، ليتناوبوا بأنفسهم دور "المشعلجي" لحماية أحيائهم من عتمة الليل.
انتهى عصر المشعلجي مع دخول الكهرباء، لكن سيرته تظل فصلاً مضيئاً في حكاية التطور الاجتماعي لمدينة القاهرة.

