اثنتا عشرة اتفاقية ومذكرة تفاهم، ومرتبة جديدة في سلم العلاقات الدبلوماسية، ومائدة مستديرة جمعت الرئيس بممثلي نحو ثلاث وعشرين شركة كورية من كبرى شركات العالم، ومقترح بمنطقة صناعية كورية على ضفاف قناة السويس.. حصيلة تبدو، على الورق، كفيلة بأن تُعيد رسم خريطة الاستثمار الآسيوي في مصر. غير أن الورق يتسع لكل شيء، أما الأرض فلا تتسع إلا لما يُنفَّذ. وبين ما وُقِّع في سول وما سيُبنى في السويس مسافة يعرفها المصريون جيدًا بعد سنوات من الاتفاقيات الكثيرة والنتائج المتفاوتة، ومن هنا يصبح السؤال الذي يتجاوز كل بيان مشترك: متى تتحول هذه الشراكة إلى مصنع يعمل، وعقد يُنفَّذ، ووظيفة تُشغل، وصادرات تعبر الموانئ المصرية نحو أفريقيا وأوروبا؟ هذا ما سيحدد قيمة «الاستراتيجية» في اسم الشراكة، لا عدد الصور التذكارية ولا حجم الحفاوة في مراسم الاستقبال.
ما الذي أُعلن في سول؟
خلال زيارة الدولة التي أجراها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى كوريا الجنوبية في الفترة من 7 إلى 9 أكتوبر 2026، أعلن الرئيسان المصري والكوري الارتقاء بالعلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، وذلك في ختام لقاء ثنائي ومباحثات موسعة بمشاركة وفدي البلدين، أعقبها توقيع اثنتي عشرة اتفاقية ومذكرة تفاهم تمتد من الاقتصاد والاستثمار إلى الصناعة والتكنولوجيا والدفاع والتعليم.
وعلى الصعيد الاقتصادي، رحّب الجانبان بإطلاق مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين البلدين، واتفقا على توسيع التعاون في صناعة السفن والمركبات الكهربائية والطاقة والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي والمدن الذكية، مع تعزيز دور المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وتوطين الصناعات. وأكدا كذلك الأهمية الاستراتيجية لموقع مصر بوصفها بوابة إلى القارة الأفريقية، وما يتيحه ذلك من فرص للتعاون الثلاثي مع دول القارة.
وفي المائدة المستديرة التي عُقدت مع ممثلي نحو ثلاث وعشرين شركة كورية كبرى، أعلن الرئيس تطلع مصر إلى جذب استثمارات جديدة في قطاعات السيارات والإلكترونيات والبتروكيماويات والطاقة الجديدة والمتجددة والذكاء الاصطناعي، إلى جانب دعم توطين الصناعات المتقدمة وزيادة نفاذ الصادرات المصرية إلى السوق الكورية. وهي رسالة تعكس أن القاهرة لا تريد من سول تمويلًا فحسب، بل نقل خبرة وتكنولوجيا وقواعد إنتاج.
ولم تغب الملفات السياسية عن المباحثات، إذ تناولت القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، ومنها تطورات الأوضاع في قطاع غزة والموقف المصري الداعم لحل الدولتين، فضلًا عن تطورات شبه الجزيرة الكورية التي أكدت فيها القاهرة دعمها لجهود تخفيف التوتر وبناء الثقة. وهو ما يمنح الشراكة بعدًا سياسيًّا يتجاوز حدود التجارة والاستثمار.
المنطقة الصناعية الكورية.. الفكرة الأكبر والأقل حسمًا
يبرز من بين الملفات المطروحة مقترح إنشاء منطقة صناعية كورية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. وتكمن أهمية الفكرة في أنها تنقل مصر من خانة السوق التي تستهلك المنتج الكوري إلى خانة القاعدة التي تُنتج وتُصدّر للشركات الكورية، مستفيدة من موقعها بين ثلاث قارات، ومن شبكة اتفاقيات التجارة الحرة التي تربطها بالأسواق الأفريقية والأوروبية والعربية. فالشركة التي تُنتج من السويس لا تخدم السوق المصرية الكبيرة فقط، بل تصل بسهولة أكبر إلى مئات الملايين من المستهلكين خارجها.
غير أن الفارق جوهري بين «مقترح» و«التزام». فحتى اللحظة، لا تتجاوز الفكرة مرحلة الطرح والمناقشة، ولم تُعلن مساحات ولا مواعيد ولا قيم استثمارات ملزمة. وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي: هل ينتقل المقترح إلى دراسة جدوى، ثم إلى عقود تخصيص أراضٍ، ثم إلى خطة تنفيذ بجدول زمني معلن يمكن للرأي العام متابعته ومحاسبة الجميع عليه؟ فالمستثمر الأجنبي لا يقيس جدية الدولة بما تقوله في المؤتمرات، بل بسرعة الترخيص ووضوح الأرض وتوافر الطاقة وثبات القواعد.
ذاكرة 2016.. ما الذي تغير؟
الزيارة الحالية ليست الأولى من نوعها. ففي مارس 2016 زار الرئيس سول، وشهدت الزيارة وقتها توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم، والارتقاء بالعلاقات إلى مستوى الشراكة الشاملة، وترحيبًا كوريًّا بحزمة تمويلية لمصر بقيمة ثلاثة مليارات دولار لمشروعات البنية التحتية.
وبعد عقد كامل، تتقدم العلاقة درجة في السلم الدبلوماسي من «الشاملة» إلى «الاستراتيجية»، وهو ما يفرض سؤالًا لا يُراد به التشكيك، بل المساءلة المهنية الواجبة: ما حجم ما نُفذ فعليًّا من تعهدات تلك المرحلة؟ وما الذي تغير الآن في بيئة الاستثمار والتشريعات وتكلفة التمويل وسرعة الإجراءات ليضمن مسارًا مختلفًا هذه المرة؟ فالتقدم في المسمى ليس دليلًا على التقدم في النتائج، والمواطن لا يعنيه توصيف العلاقة بقدر ما تعنيه آثارها في سوق العمل والأسعار والمعروض من السلع.
وتتزامن هذه الزيارة مع مرور ثلاثين عامًا على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتأتي بعد زيارة الرئيس الكوري لي جاي ميونج إلى القاهرة في نوفمبر 2025، التي ناقش خلالها الجانبان توسيع دور الشركات الكورية في تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي وصناعة السيارات والبتروكيماويات وبناء السفن والتعدين، مع التركيز على توطين الصناعة، وبحث إنشاء مؤسسات تعليمية تكنولوجية، من بينها جامعة كورية للعلوم والتكنولوجيا ومدارس كورية في مصر. وبهذا يمنح التسلسل الزمني للزيارات 2016 ثم 2025 ثم 2026 المسار زخمًا سياسيًّا متصلًا لم يتوافر دائمًا في السنوات السابقة.
كيف نقيس النجاح؟
الحكم على أي جولة خارجية بعدد الاتفاقيات الموقعة يظل مقياسًا ناقصًا، لأن مذكرة التفاهم لا تُلزم أحدًا بضخ دولار واحد. والمقياس الأدق يقوم على ثلاثة مؤشرات:
- نسبة التحول: كم من الوثائق الاثنتي عشرة سيتحول إلى عقود ملزمة بجداول زمنية وقيم محددة، وكم سيبقى في إطار النوايا والتفاهمات العامة؟
- حجم الاستثمار الفعلي: ما المبالغ التي ستدخل السوق المصرية بالفعل خلال السنوات المقبلة، لا المعلن منها في المؤتمرات؟
- أثر التوظيف ونقل التكنولوجيا: كم فرصة عمل مباشرة ستُخلق، وإلى أي مدى سيجري توطين التصنيع المتقدم والمكونات المحلية بدلًا من الاكتفاء بخطوط تجميع محدودة القيمة المضافة؟
كما تُعد مفاوضات الشراكة الاقتصادية الشاملة اختبارًا موازيًا لا يقل أهمية، فنجاحها مرهون بقدرتها على فتح السوق الكورية أمام المنتجات المصرية بقدر ما تفتح السوق المصرية أمام المنتجات الكورية، بحيث يخرج الميزان التجاري أكثر توازنًا، ولا تتحول الشراكة إلى قناة واحدة الاتجاه.
محطات آسيوية لم تكتمل بعد
لا تنتهي الجولة عند سول، إذ تمتد وفق ما أعلنته الرئاسة إلى ماليزيا وإندونيسيا، وهما اقتصادان يملكان أولويات مختلفة عن الاقتصاد الكوري في مجالات التصنيع والغذاء والطاقة والتمويل الإسلامي. وما ستسفر عنه المحطتان سيحدد ما إذا كانت الجولة تمثل توجهًا آسيويًّا متكاملًا لتنويع الشراكات الاقتصادية وتقليل الاعتماد على أسواق بعينها، أم مجموعة زيارات منفصلة تتحدد قيمة كل منها بما يُنفذ منها لا بما يُعلن فيها.
