أكد اللواء دكتور سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، أن إعلان مصر استعدادها لتدعيم الدفاع عن المملكة العربية السعودية يعكس دور الدولة المصرية في حماية الأمن القومي العربي، مشددًا على أن الدعم العسكري لا يعني بالضرورة إرسال قوات إلى الأراضي السعودية، وإنما يتخذ أشكالًا متعددة وفقًا للاحتياجات الفعلية للدولة التي تتلقى الدعم، وفي ضوء قدرات القوات المسلحة المصرية واعتبارات الأمن القومي.

وأوضح اللواء سميرفرج، في تصريح خاص لـ«خمسة سياسة»، أن التعامل مع هذا الملف يجب أن يستند إلى فهم عسكري دقيق، بعيدًا عن التكهنات والتفسيرات غير المتخصصة، لافتًا إلى أن هناك ضوابط دستورية ومؤسسية تحكم اتخاذ القرارات المتعلقة بإرسال قوات أو تقديم دعم عسكري خارج البلاد.

جيش عربي موحد.. ومبدأ «مسافة السكة»

وأشار الخبير العسكري والاستراتيجي إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي طرح، قبل نحو عشر سنوات، فكرة إنشاء جيش عربي موحد لتأمين الدول العربية، إلا أن المقترح لم يحظَ آنذاك بالاستجابة المطلوبة.

وأضاف أن الرئيس السيسي أكد، في مناسبات سابقة، أن أمن دول الخليج العربي جزء من الأمن القومي المصري، مستحضرًا عبارته الشهيرة «مسافة السكة»، التي تعني استعداد مصر لتقديم المساعدة عند طلبها، وفقًا للقواعد والضوابط المنظمة لذلك.

وأوضح فرج أن إعلان استعداد مصر لتدعيم الدفاع عن المملكة العربية السعودية يحمل دلالات مهمة، خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من تطورات، مشيرًا إلى أن رؤية القيادة المصرية تنطلق من أهمية الحفاظ على أمن الأشقاء العرب واستقرار المنطقة.

المادة 152 من الدستور.. والضوابط المنظمة للقرار

وفيما يتعلق بالإجراءات الدستورية، أوضح فرج أن المادة 152 من الدستور المصري تنظم مسألة إرسال القوات المسلحة إلى خارج الدولة، وفقًا للإجراءات والضوابط المنصوص عليها، مشيرًا إلى أن الأمر يمر بمراحل مؤسسية تشمل المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلس النواب، وفقًا للأحكام الدستورية ذات الصلة.

وشدد على أهمية التعامل مع هذه الملفات باعتبارها من قضايا الأمن القومي، التي تستلزم الحفاظ على سرية المعلومات والتفاصيل العسكرية، تجنبًا لإثارة البلبلة أو تداول تصورات غير دقيقة بشأن طبيعة التحركات المحتملة.

5 أشكال للدعم العسكري.. وإرسال القوات ليس الخيار الوحيد

وأكد الخبير العسكري والاستراتيجي أن العلوم العسكرية تحدد خمسة أشكال رئيسية للدعم العسكري الذي يمكن تقديمه للدول، موضحًا أن إرسال القوات يمثل أحد هذه الأشكال، وليس الخيار الوحيد المتاح.

وتتمثل أشكال الدعم العسكري، وفقًا لشرح اللواء سمير فرج، في الآتي:

الدعم بالمعلومات:

من خلال توفير المعلومات العسكرية والاستخباراتية التي تساعد الدولة المستفيدة على تحديد مواقع التهديدات والتعامل معها، مستشهدًا بما يقدمه حلف شمال الأطلسي «الناتو» من معلومات لأوكرانيا بشأن تحركات القوات الروسية.

الدعم بالخبراء:

عبر إرسال خبراء عسكريين لتقديم المساعدة الفنية والتخصصية، مستشهدًا باستعانة مصر بخبراء سوفييت خلال مراحل سابقة من تاريخها العسكري، ومن بينهم خبراء عملوا على مستوى الكتائب.

الدعم بالذخائر:

من خلال توفير الذخائر اللازمة لاستمرار كفاءة المنظومات العسكرية، بما يتناسب مع احتياجات الدولة المستفيدة وقدرات الدولة الداعمة.

الدعم بالأسلحة والمعدات:

عبر تقديم أسلحة أو منظومات عسكرية تحتاج إليها الدولة المستفيدة لتعزيز قدراتها الدفاعية.

الدعم بالقوات:

وهو أحد أشكال التعاون العسكري، ويتم اللجوء إليه وفقًا لطبيعة المهمة والاحتياجات والضوابط المنظمة للقرار.

وشدد "فرج"، على أن تحديد شكل الدعم المناسب يتوقف على طبيعة التهديدات والاحتياجات العسكرية، مؤكدًا أن اختزال الدعم المصري المحتمل في مسألة إرسال قوات فقط لا يعكس الصورة الكاملة لخيارات التعاون العسكري.

لجنة عسكرية لتحديد الاحتياجات الدفاعية السعودية

وأوضح فرج أنه في حال استكمال الإجراءات والموافقات اللازمة، يمكن أن تتولى لجنة عسكرية مصرية التنسيق مع الجانب السعودي لتحديد الاحتياجات الدفاعية للمملكة، وتقييم الأهداف الحيوية التي تتطلب تعزيز إجراءات الحماية.

وأشار الخبير العسكري والإستراتيجي إلى أن هذه الأهداف قد تشمل الأماكن المقدسة، وآبار البترول، ومحطات التكرير، والموانئ، والمطارات، وخطوط نقل البترول الممتدة من شرق المملكة إلى غربها.

وأضاف "فرج"، أن التعامل مع هذه الاحتياجات يتم من خلال دراسة كل هدف على حدة، وتحديد أوجه النقص في منظومات الحماية المتاحة، ثم بحث إمكانية تقديم الدعم المناسب وفقًا للقدرات والإمكانات المتوفرة.

وضرب مثالًا بالدفاع الجوي، موضحًا أن منظوماته تتعامل مع التهديدات الجوية على ارتفاعات منخفضة ومتوسطة وعالية، وقد تكون الدولة المستفيدة بحاجة إلى تعزيز إحدى هذه الطبقات، بما يتيح للدولة الداعمة تقديم المساندة المناسبة بدلًا من اللجوء بالضرورة إلى إرسال قوات كبيرة.

وأكد أن طبيعة الدعم قد تشمل كذلك تقديم معدات متخصصة، مثل منظومات التشويش على الصواريخ، وفقًا لما تكشف عنه التقييمات العسكرية والاحتياجات الفعلية.

حماية الأمن القومي المصري تفرض حسابات دقيقة

وشدد الخبير العسكري والاستراتيجي على أن تقديم الدعم العسكري يجب أن يخضع لحسابات دقيقة تراعي احتياجات الدولة الشقيقة، وفي الوقت نفسه تحافظ على قدرات القوات المسلحة المصرية وجاهزيتها للتعامل مع أي تطورات أو تهديدات محتملة.

وأوضح أن الدول لا تستطيع تقديم جميع ما تمتلكه من ذخائر أو معدات دون حساب احتياجاتها الدفاعية الخاصة، مستشهدًا بما أشار إليه بشأن القيود التي تفرضها الاعتبارات الاستراتيجية على حجم المساعدات العسكرية التي تقدمها الدول لحلفائها.

وأضاف "فرج"، أن مساحة المملكة العربية السعودية الكبيرة تمثل أحد العوامل التي يجب أخذها في الاعتبار عند تقييم احتياجاتها الدفاعية، إذ تتطلب حماية الأهداف الحيوية وتوزيع منظومات الدفاع عليها دراسة دقيقة لحجم التهديدات وطبيعة الانتشار المطلوب.

وأكد "فرج"، أن القيادة السياسية والعسكرية المصرية تمتلك الخبرة اللازمة لتقدير هذه الاعتبارات، واتخاذ القرارات المناسبة بما يحقق المساندة المطلوبة ويحافظ في الوقت ذاته على المصالح المصرية والأمن القومي للبلاد.

ترحيب عربي بالدور المصري

وفيما يتعلق بردود الفعل العربية على الموقف المصري، أشار "فرج"، إلى أن التعليقات التي أعقبت الإعلان عن استعداد مصر لتدعيم الدفاع عن السعودية عكست ترحيبًا واسعًا بعودة الدور المصري الفاعل في دعم القضايا العربية.

وأوضح أن هذا الترحيب يرتبط بالمكانة التي تحتلها مصر في المنطقة، باعتبارها إحدى أبرز القوى العسكرية العربية والأفريقية، مشيرًا إلى أن كثيرين ينظرون إلى التحرك المصري باعتباره تعبيرًا عن مسؤولية إقليمية تجاه أمن الدول العربية واستقرارها.

واستحضر الخبير العسكري مشاركة القوات المصرية في تحرير الكويت، مشيرًا إلى دور القوات المصرية، ومنها الفرقة الثالثة مشاة ميكانيكي والفرقة الرابعة المدرعة، في العمليات العسكرية التي جاءت ضمن التحالف الدولي لتحرير الكويت.

واختتم اللواء دكتور سمير فرج تصريحاته بالتأكيد على أن أهمية الموقف المصري تكمن في استعداد الدولة لتقديم الدعم اللازم للأشقاء العرب وفقًا لاحتياجاتهم والإمكانات المتاحة، معتبرًا أن تحرك مصر لحماية الأمن العربي يعكس استمرار دورها المحوري في التعامل مع التحديات التي تواجه المنطقة.